موضوع مدونات مصرية للجيب خلانى افكر كتير فى التدوين و المدونة.. هل انا طورت
من نفسى فى الفترة اللى فاتت ..؟؟ هل حد بيستفيد ..؟؟
و هل اللى باكتبه ينفع يتنشر؟؟
مش عارف .. و محتاج أعرف راى الناس
انا بدأت انشر حاجات عندى من فترة .. مواضيع محتاجة مناقشة ..
انا باتمنى أكون زى مدونين او مدونات .. لما بيغيبوا و لو اسبوع .. تلاقى الناس تسأل عليهم …
مش يغيبوا بالشهور زى حالاتى و محدش بيحس …
المهم انا أحتاج الى التقييم .. جزاكم الله خيرا
27/1/2008
« المقال السادس» إذا كانت المشاكل مستحيلات.. فمن يصنع المعجزات؟
نوفمبر 1982
سيادة الرئيس
هذا هو الجزء السادس -وربما الأخير- من هذه الرسالة التي توجهت بها مفتوحة إليكم، وفيه أريد أن أصل إلي السؤال المطروح علينا جميعاً، وهو:
- ثم ماذا؟ وما العمل؟ وإلي أين من هنا؟
ولأن السؤال حيوي ومصيري، فإني أستأذن - يا سيادة الرئيس - أن أطرح أمامكم، قبل الإجابة - أو محاولة الإجابة عليه - خمسة وجوه للحقيقة الموضوعية كما أراها الآن في «بر مصر»!
* * *
* الحقيقة الموضوعية الأولي: أنه لم يعد في استطاعة أحد - ولا في مقدوره - أن يزعم اليوم أن شيئاً ما لم يحدث.
بتعبير أبسط، فقد حدث في هذا البلد شيء، بل حدثت أشياء، وعلي وجه التحديد في تلك السنوات العاصفة ما بين شتاء الاحتجاج - يناير 1977 - إلي خريف الغضب - أكتوبر 1981.
كانت تلك السنوات الأربع سنوات أزمة، بدأت بانفجار شعبي له دواعيه الحقيقية الاقتصادية والاجتماعية، ولسوء الحظ فقد وقعت مواجهته بحملة قمع.
ولم يكن ما حدث في يناير 1977 «انتفاضة حرامية» - كما شاء البعض أن يسميها - والدليل أن الحكومة في ذلك الوقت تراجعت عن إجراءات قررتها وأعلنتها، وهذا التراجع في حد ذاته يحمل معني الاعتراف بالخطأ. ومع ذلك فقد فرض حظر التجول وجرت الاستعانة بالقوات المسلحة لفرضه، لأن البوليس العادي، واحتياطيه الضخم من قوات الأمن المركزي - لم يعد كافياً لفرضه، وهذا اعتراف ثان بحجم أحداث يناير وخطورتها.
وجري بعد ذلك أن المحاكم التي نظرت قضايا الآلاف من المعتقلين في ذلك الوقت، صدرت أحكامها بتبرئة معظمهم، علي أساس أنه «كان لدي جماهير الشعب ما يدعوها بحق إلي الاحتجاج علي قرارات لرفع الأسعار أصبحت حياتهم بها مستحيلة» - وهذا اعتراف ثالث أكده «روح القانون» - كما يفهمه القضاء المصري. و«روح القانون» أقوي من أي نصوص استثنائية تمنحها السلطة وصف القانون وتحاول - دون جدوي - إلباسها شرعيته!
تلاحقت الأحداث بعد ذلك يسابق بعضها بعضاً: أشهرها مهرجان المبادرة، وقد انتهي إلي صلح منفرد بين مصر وإسرائيل، أعقبه الجري اللاهث وراء سراب الرخاء والسلام حتي تم توقيع اتفاقيات «كامب دافيد»، وبه انعزلت مصر عن بقية أمتها العربية،
سواء كانت هي التي عزلت نفسها أو كان الآخرون هم الذين عزلوها - ثم بان اتساع دوائر الفساد والإفساد، والآثار الاجتماعية التي نجمت عن ذلك - وما نشأ نتيجة لهذا كله من شعور بالاغتراب لدي الإنسان المصري العادي، وكان التطرف الديني رد الفعل الطبيعي لهذا الشعور بالاغتراب، فحين يشعر الفرد أن حقه في الوطن مهدد، لا يجد غير الشكوي لله.
وكان التطرف الديني هو الذي فتح بدوره الباب لما أسميناه بـ«الفتنة الطائفية» التي بدت مستغربة في مصر بعد تجربتها الوطنية الراسخة، وتجمعت هذه النذر في عاصفة الغضب التي هبت علي مصر في خريف سنة 1981، وكان حادث المنصة صاعقة البرق التي تولدت شحناتها النارية مع تصادم العواصف الزاحفة من كل اتجاه: الوطني والديني والاجتماعي والاقتصادي وحتي القانوني.
حدث شيء، وهذا الذي حدث له معانيه.
وهذه المعاني تفرض مطلوبات لابد منها، وإلا تجددت احتمالات لا داعي لها.
أي أن الاعتراف بأن «شيئاً حدث» ضرورة حقيقة - والاعتراف بأن هناك «مطلوب يجب أن يحدث»، كلاهما ضرورات حق.
وأي تجاهل لضرورات الحق والحقيقة - أقصر طريق إلي المتاعب، بل لعله وصفة مضمونة لأزمات مؤكدة.
* * *
* الحقيقة الموضوعية الثانية: أن الشعب المصري يجتاز طوراً بالغ الأهمية والحساسية في نموه الاجتماعي والسياسي والفكري، وهذا الطور من النمو جاء معه بقدر كبير من اليقظة والتنبه - وأكاد أقول من الحذر والشك. والشعب المصري في هذه الأحوال ليس في مزاج يسمح له بإعطاء تفويض مفتوح لأحد.
لعلي لا أبتعد كثيراً عن الصواب إذا قلت إن عهد التفويض المفتوح انتهي في مصر سنة 1967 - لأنه قبل تلك السنة كان المجال مفتوحاً لقرارات كبري تستجيب لمطالب تاريخية محددة واضحة في ضمير الأمة (إعلان الجمهورية - الإصلاح الزراعي - تأميم قناة السويس - التصنيع - بناء السد العالي.. إلي آخره).
وبعد محنة تلك السنة فإن الشعب المصري سحب من «جمال عبدالناصر» تفويضه المفتوح، ومنحه بدلاً منه تفويضاً محدداً علي أساس بيان 30 مارس 1968. وكان للتفويض شرطان: القتال لإزالة آثار العدوان - والاستعداد لتغييرات كبري خصوصاً في مجال الحريات السياسية.
وجاء «أنور السادات» سنة 1970، وكان التفويض الذي مُنح له مشروطاً - مرة أخري - بنفس الشرطين السابقين: تحرير الأرض، والحريات السياسية. وربما تذكرنا أنه عندما توجه «أنور السادات» ليقدم نفسه لمجلس الأمة - في ذلك الوقت - حمل معه نسخة من بيان 30 مارس، وقد أودعها مكتب المجلس باعتبارها برنامجه، وفي إطار هذا البرنامج جاء التفويض.
ولقد رأينا كيف جري توسيع هذا التفويض المشروط حتي «نفذ الجمل من ثقب الإبرة» كما يقولون! - فقد استعمل هذا التفويض في قرارات لم تكن مقررة، ولا كانت واضحة، ولم تكن في ضمير الأمة يوماً من الأيام، وأشهر نموذج لمثل هذه القرارات: قرار «المبادرة» - أي السفر إلي القدس، وعقد صلح منفرد مع إسرائيل.
ولست من القائلين بأن أهداف الأمم ألواح محفوظة لا يصح أن يضاف إليها جديد، لكن هناك قواعد متفق عليها إذا استدعت الأسباب إضافة إلي هذه الأهداف.
* أولي هذه القواعد أن تقوم القيادة السياسية التي تريد إضافة مثل هذه الأهداف بالدعوة إلي ما تراه، والتبصير بفوائده، وإقناع الناس بسلوك طريقه.
* والقاعدة الثانية أن تكون ملابسات العمل السياسي حول هذه الأهداف ظاهرة ومرئية.
* والقاعدة الثالثة ألا تعرض الأهداف علي الناس مبهمة أو مغلوطة علي عكس الحقيقة.
هذه القواعد - وغيرها - ليست مجرد التزام بشروط تفويض محدود، لكنها أيضاً التزام مبدئي وأخلاقي ودستوري، إلي آخره.
وفي حالة المبادرة - علي سبيل المثال - فقد صور الأمر للناس وكأنه فكرة طرأت علي بال صاحبها وهو يتكلم أمام مجلس الشعب في افتتاح دورته العادية (نوفمبر سنة 1977).
ولم يكن ذلك صحيحاً علي الإطلاق.
والصحيح أن خمائر هذا التغيير الكبير في سياسة مصر بدأت في أعقاب حرب أكتوبر مباشرة، حين تعهد الرئيس «السادات» بقبول التفاوض مباشرة مع إسرائيل، وحين طرح من جانبه (في 7 نوفمبر 1973) اتفاقاً استراتيجياً للعمل في المنطقة بالتعاون مع الولايات المتحدة ومع إسرائيل، وحين قبل التعهدات السرية التي ألحقت باتفاق فك الارتباط الأول خطوة علي الطريق (1974)، وبعدها التعهدات السرية التي ألحقت باتفاق فك الارتباط الثاني (1975).
وطوال سنة 1976 كانت هناك محاولات سرية لفتح الطرق، وكانت هناك رسائل مكتوبة وشفوية متبادلة، وكان هناك رُسل ومندوبون.
وسنة 1977 كانت هناك اجتماعات مباشرة، حضرها مسؤولون مصريون ومسؤولون إسرائيليون.
وكانت «الفكرة التي بدا أنها طرأت علي البال أمام مجلس الشعب»، مجرد إخراج «فني» وضعت به الأمور أمام الناس علي غير صورتها الحقيقية!
واستمر نفس الأسلوب بعد ذلك.
وعلي سبيل المثال فلم تكن هناك علي الإطلاق علاقة بين المبادئ التي أعلنت في خطاب الرئيس «السادات» أمام الكنيست، وبين الاتفاقيات التي وقعت في «كامب دافيد» - وفي حين بدا الخطاب في الكنيست مفهوماً - إلا أن التصرفات بعده قطعت الصلة بين القول والفعل.
وفي مثال آخر فإنه لم تكن هناك علاقة بين المشروع الذي دخلت مصر به إلي الاجتماع في «كامب دافيد»، وبين الاتفاق النهائي الذي جري توقيعه.
ولم يكن ذلك الاتفاق في «كامب دافيد» نفسه محصلة الشد والجذب في عملية التفاوض، بل إن الرئيس «السادات» - علي حد ما روي الرئيس «جيمي كارتر» في مذكراته أخيراً - قدم مشروعه الابتدائي إلي «كارتر»، قائلاً له:
«إنني أريد نشر هذا المشروع، وهو لا يمثل موقفي النهائي، لأني مستعد لتنازلات فيه، لكني أريد نشره لتهدئة أعصاب الناس في مصر وفي العالم العربي، وأيضاً لكي تهدأ أعصاب بعض مساعدي المتشددين»!
وبعد هذا الانفصال بين الظاهر والباطن - فإن مصر أصبحت أمام أمر واقع، لا تعرف من ملابساته وتفصيلاته ونتائجه ما يكفيها للحكم عليه، وكان قصاري ما عرفته أن رئيسها وقع علي «اتفاق سلام»!
مثل هذا التوسع غير المبرر وغير المقبول في شروط التفويض - سواء في قضية المبادرة أو غيرها من القضايا التي انكشفت الحقيقة فيها أسرع - زرع أزمة تصديق تناثرت بذورها وغاصت في التربة، وبدأ نبتها الأصفر يظهر وينمو علي سطح الأرض، ثم راح اللون الأصفر يميل للاحمرار، وحين جاء موعد الحصاد في خريف الغضب سنة 1981، كان اللون الأحمر قانياً بلون الدم.
وحين أقبل الشعب عليكم - يا سيادة الرئيس - في لحظة حرجة من تاريخ مصر، فإن هذا الإقبال كان في جوهره تفويضاً، ولم يكن تفويضاً مفتوحاً، وإنما كان تفويضاً مشروطاً بمطالب يمكن لأي مراقب وقتها أن يعدّها واحداً بعد الآخر عن ظهر قلب، بل إنكم - بإحساس مرهف موصول بحس الناس - عبرتم عنها بأنفسكم عندما حان وقت الكلام أمامهم.
* * *
* الحقيقة الموضوعية الثالثة: أن حجم المشاكل التي تواجه مصر - ومن ثم تواجهكم - تجاوز الإمكانيات المتاحة لحلها في زمن معقول أو بتكاليف مقبولة، ولقد عبرتم عن ذلك بأمانة حين قلتم إنكم لا تملكون «عصا سحرية» تشيرون بها إلي المشاكل فإذا هي تتبخر وتتلاشي.
ولعلي واحد من الذين يتصورون أنكم تواجهون معضلة إنسانية يتنازعكم فيها عاملان متناقضان: الرغبة في وضع الصورة كاملة أمام الناس، ثم التحرُّج - في نفس الوقت - من أن يبدو ذلك وكأنه محاولة لإلقاء اللوم علي آخرين. ومثل ذلك الحرج - يا سيادة الرئيس - مرفوع وينبغي أن يحكمنا فيه الصدق مع النفس أولاً. فما لم يعرف الناس من أين يبدأون رحلتهم إلي المستقبل، فإن السفر إليه يصبح ضرباً من المستحيلات!
ثم إن حجم المشاكل أصبح مستعصياً علي أية محاولة للترميم أو للترقيع، لأنه لم يعد هناك بُد من إعادة البناء، أقول ذلك آسفاً، مشفقاً علي مصر وعليكم.
وإذا أدرنا البصر علي الآفاق من حولنا، فلن نجد غير مشاكل لا أعرف كيف يمكن حلها، ولا أظن أن غيري يعرف.
* * *
دعني - يا سيادة الرئيس - أقف أمام بعض المشاكل التي تحتاج إلي حل، وذلك علي سياق هذه الحقيقة الموضوعية الثالثة، لأن حلقات سلسلة المشاكل متصلة - ثم هي طويلة.
(1)
* أولاً المشكلة الاقتصادية: وأشهر معالمها تعداد سكان يقترب من خمسين مليون نسمة، ورقعة محدودة من الأرض الزراعية تتآكل أكثر مما تتزايد، ودخل قومي بمتوسط أربعمائة وخمسين دولاراً للفرد في السنة. وقطاع عام في الصناعة مازال يحمل العبء الأكبر في عملية النمو - لكنه يتعرض لغارات معادية ضارية.
وقطاع مالي طفيلي طارئ انطلق في السنوات الأخيرة إلي عملية نهب منظم، وأزعم أن البنوك العاملة في مصر لو جردت حساباتها بأمانة لظهر أن هناك أكثر من ألف مليون دولار ديوناً «سيئة» حصل عليها مغامرون لم يفكروا يوماً في سدادها - بل كان همهم أن يخطفوا ويهربوا (ولن أذكر أمثلة مع أن السوق مليئة منها بعشرات).
أهم من ذلك، ديون خارجية يتراوح حجمها ما بين عشرين إلي خمسة وعشرين ألف مليون دولار، وميزانية دولة تشير هذه السنة إلي عجز قدره أربعة آلاف مليون جنيه، وميزان مدفوعات لا يقل عجزه - هذه السنة أيضاً - عن ألفين وخمسمائة مليون دولار.
كيف حدث ذلك كله؟ وما العمل فيه؟
(2)
* تجيء المشكلة الاجتماعية: ذلك أننا إذا أخذنا تقريراً أخيراً للبنك الدولي جرت الإشارة إليه أكثر من مرة أثناء مداولات المؤتمر الاقتصادي الذي تفضلتم بالدعوة إليه في مستهل سنة 1982، فإن بعض الإشارات في هذا التقرير تنذر بالخطر:
خمسة ملايين أسرة في مصر تعيش بمتوسط دخل قدره ثلاثون جنيهاً في الشهر، والأسرة مكونة من خمسة أفراد علي الأقل، والثلاثون جنيهاً يجب أن تكفيها للطعام والمسكن والتعليم والعلاج، وغير ذلك مما يحتاجه البشر.
وخمسة في المائة من سكان القاهرة يحصلون وحدهم علي خمسين في المائة من الدخل المتولد في المدينة - بينما يحصل الباقون جميعاً - 95 في المائة من السكان - علي الخمسين في المائة الباقية!
وفي نفس الوقت يقال لنا إن في مصر سبعة عشر ألفاً من أصحاب الملايين.
(3)
* وبعدها مشكلة التطرف الديني: وهي ظاهرة تتطلب تفسيراً عقلانياً يردها إلي أصولها، فليس هناك شك في أن الدين كان - وسيظل دائماً - دعامة أساسية من دعائم الحياة في مصر. والواقع أن ظاهرة تدين مصر ظاهرة مستمرة في التاريخ - لكن التطرف طارئ آخر علينا أن نبحث عن سبب مستجد له.
وربما قلت إنه نتيجة للضغوط الاقتصادية والاجتماعية - فإن مجموعة القيم التي طرحتها الثورة المصرية في فترة شبابها لم تستطع الصمود، خصوصاً أن هذه المجموعة من القيم تعرضت من الداخل لاهتزازات سببتها بعض أخطاء التجربة،
كما أن الحملة علي تلك الثورة من القوي الرافضة لها في الداخل والخارج كانت عارمة، وفي كثير من الأحيان ظالمة. وحينما يهتز إيمان الناس بما هو إنساني وتاريخي، فإنهم لا يجدون حماية لأنفسهم سوي التراجع إلي اليقين المطلق، لعلهم يجدون هناك من سند الإيمان ما يمنحهم السكينة والطمأنينة.
وفي أجواء «المطلق» فإنه ليست هناك حلول مواءمة بين الواقع والمثال، وإنما يصبح هناك حق وباطل، وليس إلي غير ذلك سبيل.
وفي هذه الأحوال يصبح التطرف ظاهرة طبيعية.
(4)
تتصل بمشكلة التطرف الديني مسألة أخري، وهي الإرهاب باسم الدين.
والخط الفاصل بين التطرف والإرهاب دقيق، ولقد أتاحت لي متابعة الثورة الإيرانية عن كثب - ثم ما استغرقت فيه أثناء ذلك من قراءة لأدبيات العنف في الإسلام - ثم تجربة السجن في صحبة زملاء من أعضاء الجماعات الدينية - فرصة حاولت فيها دراسة هذه الإشكالية وتداعياتها، وما بعدها من مضاعفات.
واعتقادي أن ذلك كله لا يواجه بالبوليس والمحاكم، ثم إنني لست مقتنعاً بأن تلك الندوات التي تُعقد في السجون «لإعادة تثقيف» من يسمونهم «المتطرفين» يمكن أن تصل إلي نتيجة. والواقع أن تلك الجماعات الضخمة من الشباب تعتقد أنها تملك فلسفة كاملة ورؤية شاملة، ولن تستطيع الندوات أو المحاضرات - ساعة أو ساعات - أن تنفذ إلي العمق منهم أو إلي الصميم.
سوف يسمعون - أو يسمع منهم كثيرون - ما يلقي إليهم، وسوف يتظاهرون - أو سوف يتظاهر منهم كثيرون - بالقبول والاقتناع، وأغلب الظن أنها فكرة «التقية» المشهورة في الإسلام السياسي، بمعني «أن يتظاهر فرد بغير ما يعتقد فيه اتقاء لشر يهدد حياته ومعتقداته، ويعيش إلي يوم آخر يعود فيه إلي الجهاد والقتال في سبيل ما يؤمن أنه الحق».
وإذا كان التطرف والإرهاب ظاهرة يمكن ردها إلي العقل - فإننا بالعقل أيضاً نستطيع أن ندرك أن كل ظاهرة باقية، طالما بقيت الأسباب التي أدت إليها.
وإذن - ماذا؟
سوء المرافق استفزاز.. غلاء الأسعار استفزاز.. التفاوت الطبقى استفزاز.. والفساد استفزاز.. والمسافة بين الوعد والوفاء به استفزاز
(5)
* نصل إلي مشكلة العمل العربي: وهنا فإن انتماء مصر العربي - يا سيادة الرئيس - لم يعد في حاجة إلي تأكيد جديد، وحتي بعض الذين أصابهم في السنوات الأخيرة «مس فرعوني»، عادوا الآن - بعد شرود - يسلمون بثوابت الجغرافيا وحقائق التاريخ، بما في ذلك عملية التواصل الثقافي بالتراكم عبر مراحله الأصيلة والمتغيرة،
وفي ذلك فإننا جميعاً نعرف الظروف، التي باعدت بين مصر وبين أمتها العربية، وإذا كان لازماً أن تنتهي العزلة، وتعود الأمور إلي طبائعها الأصلية، فإن الأماني لا تحققها النوايا، خصوصاً إذا كانت هناك قوي تري من صالحها تكريس العزلة:
* كان «حبس» مصر في أفريقيا مطلباً قديماً للاستعمار الغربي، ونفس المطلب أصبح أولوية أولي في استراتيجية إسرائيل.
كانت مصر لقرون طويلة تقوم في العالم العربي بدور مزدوج: دور التحديث ودور التوحيد، أي أن مصر كانت مركز الإشعاع، وكان هذا الإشعاع نفسه طاقة الحركة العربية الدائرة حول المركز.
وعندما يتوقف دور مصر، فإن عملية «التحديث» تتوقف، بل تتراجع، وقصاري ما يمكن أن تصنعه ضرورات العصر في غياب مصر هو الاستعانة بـ«التغريب» عن «التحديث»، أي مجرد تقليد مظاهر التقدم (خصوصاً في مجال الاستهلاك وأنماط السلوك)، وتقليد الغرب ليس تجدداً أو تجديداً من موقع الأصالة، لكن ذلك كان ما جري فعلاً، لأن «التحديث» جهد إنساني خلاق، أما «التغريب» فشيء يستطيع المال أن يشتريه كما يشتري الأزياء والعطور وأجهزة التليفزيون والفيديو والسيارات وحتي الطائرات!
وعندما يتوقف دور مصر في عملية توحيد العالم العربي، ويغيب عن الدائرة مركزها أو محورها، وتتوقف الحركة - فإن المنطقة العربية تتحول علي الفور من تواصل إنساني متصل إلي أقاليم جغرافية. أربعة أقاليم علي وجه التحديد: إقليم شبه الجزيرة العربية (السعودية ومجموعة دول الخليج) - وإقليم الهلال الخصيب (العراق وسوريا والأردن وفلسطين ولبنان) - وإقليم وادي النيل (مصر والسودان) - وإقليم المغرب العربي (ليبيا وتونس والجزائر والمغرب).
وانقسام الأمة إلي أقاليم يحدث الآن فعلاً، وبينما تحاول بعض الأقاليم أن تنجو بنفسها بعيداً - كما يحدث الآن لمجموعة دول الخليج - فإن أقاليم أخري تجد نفسها غارقة في تناقضات داخلية، كما هو الحال في الهلال الخصيب وفي المغرب العربي. وحتي في إقليم وادي النيل.
وعلي مرأي منا، فإن السودان يتأرجح علي الحافة - خصوصاً بسبب ما هو معروف عن خصوصية التركيبة الجغرافية وأحكامها، وعلي هذه التركيبة فإن شمال السودان سوف يجد نفسه في يوم من الأيام منجذباً إلي اتجاه مصر. وجنوبه سوف يجد نفسه في يوم آخر مشدوداً إلي اتجاه الوسط في أفريقيا. وغربه سوف يجد نفسه ملتفتاً إلي ناحية المستعمرات الفرنسية في «تشاد». وشرقه سوف يجد نفسه متأثراً بإثيوبيا والقرن الأفريقي.
وتلك كلها أوضاع تناسب معظم القوي الكبري، وكذلك تناسب إسرائيل، فكلهم يفضلون التعامل مع العرب متفرقين، وأول الفرقة خروج مصر، وآخرها تباعد الأقاليم والتفسُّخ من الداخل في هذه الأقاليم.
ولقد كان مطمح إسرائيل دائماً أن تتعاون في المنطقة مع حزام تتصوره غير عربي علي الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض («فراعنة» مصر، و«موارنة» لبنان، و«صهاينة» إسرائيل - كذلك قالت دراسة شهيرة في معهد «شيلواح» للعلوم السياسية في القدس، وقد أشرت إلي هذه الدراسة في محاضرة، دعتني إليها وزارة الخارجية في الإمارات في شهر يناير 1978، وجاءني وزيرها - في ذلك الوقت - الصديق «أحمد خليفة السويدي»،
مندهشاً لا يكاد يصدِّق أن مثل ذلك محتمل حتي في فكر إسرائيل!!) - ويقابل هذا الحزام علي الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض حزام آخر علي شطآن الخليج، يراد له ألا يكون هو الآخر عربياً حتي تشده «إيران»، أو يشده شبه القارة الهندية، والمهم في الحالتين عزلة عن بقية العالم العربي.
……….
ولا يخالجني شك - يا سيادة الرئيس - في أن مصر عائدة إلي أمتها العربية وإلي دورها العربي، مهما كانت الخطط والتخطيط، وإن لم يكن بمجرد الطلب والتمني.
ولكن السؤال هو: كيف تعود مصر؟
هل تعود مصر، لأن أحداً سمح لها أن تعود؟ - ليس ذلك مرضياً.
هل تعود مصر مع مقولة «عفا الله عما سلف»؟ - ليس ذلك لائقاً.
هل تعود مصر إلي مجرد مقعد في جامعة الدول العربية؟ - ليس ذلك مجدياً.
وفي كل الأحوال، فخشيتي إذا عادت مصر من «الباب الملكي»، أن تكون رهينة للبعض، وإذا أرادت مصر أن تعود من «الباب الشعبي» لجماهير الأمة العربية، فخشيتي أن الثمن الذي تدفعه لاستعادة مصداقيتها بين الجماهير يكون باهظاً، يفرض عليها بأسرع مما تحتمل مخاطر أشد، مما ينبغي علي الأقل في هذه الظروف!
هناك من قبل ومن بعد مشكلة العلاقات مع إسرائيل: فلقد كانت عملية صنع السلام بالأسلوب، الذي تمت به محاولة للقفز فوق الوقائع والحقائق والتاريخ وكل شيء، ومن سوء الحظ أن تلك العملية لم تستطع أن تستوعب وتتفهم طبيعة الانتصار الاستراتيجي، الذي حققته مصر وأمتها العربية في حرب أكتوبر، ووقع ذلك الخلط المزعج في مطالب السلام ومطالب الحرب.
ولقد أظهر تطور الحوادث - علي أي حال - أن مفهوم إسرائيل الخاص للسلام يختلف عن مفهوم الدنيا كلها لروحه وقيمه. ويكفينا أن نسمع «بيجين» يتحدث عن «كل أرض إسرائيل» لكي يستبين الفارق الشاسع بين السلامين، سلام إسرائيل وسلام «الجوييم»! (التعبير العبري في وصف «الآخرين» - وكان من أطرف ما قاله «بيجين» في الدفاع عن مذابح «صبرا وشاتيلا» قوله في الكنيست: «الجوييم» قتلوا «الجوييم» ويريدون إلقاء الذنب علي إسرائيل»!!).
ولم يكن مفهوم «بيجين» للسلام مجرد «كامل أرض إسرائيل» ولكنه كان أيضاً موافقة مصر علي مطلب «كامل أرض إسرائيل» - وإلا فإن مصر تخل بتعهدات السلام التي قطعتها علي نفسها، وكان معني ذلك ببساطة أن السلام في نظر إسرائيل - ترجمته الدقيقة: شراكة حلف مصري - إسرائيلي ضد بقية الأمة العربية، إلا من يعترف فيها بـ«كامل أرض إسرائيل»، ويتعاون علي هذا الأساس بدون أي تحفظات وفي جميع المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية.
ويخطئ من يظن أن ذلك تفكير «بيجين» وحده، أو أنه تفكير تجمع الليكود الذي يرأسه، ننسي أحياناً أن مجموعة «المعراج» (حزب العمل وشركاؤه) كانت هي التي بدأت تغطية الضفة الغربية وغزة بالمستعمرات، وهي التي حددت منذ البداية مطالب إسرائيل الثلاثة الأساسية: «لا انسحاب إلي خطوط 1967 - ولا دولة فلسطينية - ولا اعتراف بمنظمة التحرير».
ولعله يكون في هذا الموضع أن نتذكر كلمة يهودي ممتاز مثل مستشار النمسا «برونو كرايسكي» تَنَبَّه إلي الحقيقة، فقال:
«لا فائدة، لقد فقدت إسرائيل روحها، وهي لا تريد السلام، يستوي في ذلك «مناحم بيجين» مع «شيمون بيريز»، فات الوقت وأصبحت إسرائيل كياناً فاشستيا».
(7)
مشكلة المشاكل بعد ذلك هي العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية: وليس هناك - يا سيادة الرئيس - في هذا البلد أو حتي في غيره من يريد حرباً مع الولايات المتحدة، أو معركة، أو حتي خلافاً، لأن الكل يعرف لهذا البلد الكبير قوته، والكل يعرف لهذه الدولة العظمي دورها، والكل يعرف لذلك الشعب الأمريكي حيويته المتدفقة، الكل في الدنيا علي اتساعها يريد الصداقة مع هذا البلد ويطلب التعاون معه، لكن هناك عقدة تتجلي أكثر ما تتجلي في منطقتنا علي وجه التحديد.
في هذه المنطقة مصالح للولايات المتحدة هائلة، والولايات المتحدة تتصور أن هذه المصالح لا يصونها غير بقاء الأمر الواقع (السياسي والاجتماعي) في المنطقة مضطرباً بدون تغيير، وفي نفس الوقت فإن عوامل التغيير تفعل فعلها.
والولايات المتحدة تتصور أنها تريد تعزيز محاولة تجميد الأمر الواقع بضمانات إضافية (أحلاف، أو ترتيبات لها مهمة الأحلاف دون اسمها).
وفوق ذلك، تريد الولايات المتحدة «رجل بوليس» يكون بمثابة الضامن النهائي لبقاء الأمر الواقع ومحاولة تجميده، هذا هو دور إسرائيل.
ومن سوء الحظ أيضاً أن الولايات المتحدة تعتقد أن أهدافها في المنطقة تتحقق بابتعاد مصر عن العالم العربي، وأتذكر حواراً ذات مرة بين «هنري كيسنجر» حين كان وزيراً للخارجية الأمريكية وبيني، كان حديثنا عن أزمة الشرق الأوسط، وتحدثت عن موقف عربي بالطبع، وقال لي:
«أريد أن نقصر حديثنا علي مصر، مصر شيء، وبقية العالم العربي شيء آخر».
واختلفنا وفي نهاية حوار طويل وجدتني أقول له:
«أنت تريد أن تجرد مصر من كل عناصر قوتها، لأني إذا حدثتك عن مصر وحدها، إذن فأنا أتحدث عن مصر معزولة وليس عن مصر موصولة.
لأن مصر «المعزولة» بلد يحتاج إلي الولايات المتحدة الأمريكية.
وأما مصر الموصولة «العربية» فإنها بلد تحتاج إليه الولايات المتحدة الأمريكية».
ولايزال اعتقادي أن ذلك لم يتغير، فهم يريدون مصر التي تحتاج إليهم، ولا يريدون مصر التي يحتاجون إليها.
(وقد أضيف - يا سيادة الرئيس - أنني لست مؤمناً بهذه الألوان من التعاون مع الولايات المتحدة، من نوع المناورات العسكرية المشتركة تحت اسم «النجم الساطع» أو غير ذلك من الأسماء، كما أني لا أؤمن بالتعاون من نوع أن تكون مصر - كما حدث مرة - قاعدة لقيادة عملية «كوماندوز» أمريكية (علي طريقة غارة عنتيبي مكلفة بإطلاق سراح الرهائن الأمريكيين المحتجزين بواسطة الطلبة الثوريين داخل السفارة الأمريكية في طهران).
(
* نصل إلي مشكلة العلاقات مع الاتحاد السوفيتي: وهنا نتذكر أن أي طرف من الأطراف - في هذا العالم - لا يستطيع أن يحقق توازنه إلا بعلاقات صحيحة مع القوتين الأعظم، لأنه علي هاتين القوتين وعلي حركة كل منهما وعلي ضرورات الصراع والتعاون بينهما - يقوم النظام الدولي المعاصر.
ولقد تعرضت منذ اللحظة الأولي علاقاتنا مع الاتحاد السوفيتي لحسابات سابقة ولاحقة، فقد كانت بين الاتحاد السوفيتي وبيننا حواجز، سببها اختلاف العقائد والنظم، وغربة المسافة والثقافة، بما في ذلك اللغة.
ولأننا كنا في حاجة إلي التعاون معهم ابتداءً من سنة 1955، فإننا - نحن وهم - غطينا الحواجز بالتعبيرات الخطابية، ولم تسمح لنا الظروف - إلا فيما ندر - بإدارة حوار بالعمق معهم، ولهذا فقد كان سهلاً أن تتعثر العلاقات بيننا ثم تنكفئ علي الأرض.
ولقد كان الاتحاد السوفيتي يشعر في كثير من الأحيان بأننا ننظر إليه كمجرد بديل مؤقت للغرب، فإذا انصلحت أحوالنا مع الغرب تركناه وقفزنا إلي الضفة الأخري من النهر، ولقد شجعت بعض تصرفاتنا علي هذا الاعتقاد حتي من قبل أن تنصلح أمورنا مع الغرب.
وما حدث أننا لم نقفز إلي الضفة الأخري فحسب، ولكننا - مع الأسف - أعدنا توصيف استراتيجيتنا للأمن القومي لاحقاً، علي أساس أن «الشيوعية الدولية والاتحاد السوفيتي» هما العدو الرئيسي لنا. ودخلنا معهم في أزمة ثقة، ثم دخلنا ضدهم في معارك (نصف مسلحة) في ميادين لم ندرسها، وامتدت معاركنا العبثية إلي جبهة واسعة، من القرن الأفريقي المطل علي المحيط الهندي، إلي أفغانستان الملاصقة لحدوده، والنتيجة مواجهة خارج نطاق قدرتنا، وخارج إطار مصالحنا الحيوية.
ننسي أحياناً أننا قاتلنا - حين قاتلنا - بسلاح سوفيتي.
وننسي أحياناً أننا بنينا بعضاً من أعظم ما بنينا بتعاون مع السوفيت.
ننسي أيضاً أن علاقات ودية مع الاتحاد السوفيتي تخدم أمننا ومصالحنا.
ثم ننسي أخيراً أن الاتحاد السوفيتي - شأنه شأن الولايات المتحدة - يصعب إخراجه من أي مكان في الدنيا، فهو إحدي القوتين الأعظم، وإحدي العقائد الكبري، ثم إنه بقوة السلاح وقوة التكنولوجيا قرب كل الدول، ومطل فوقها من الفضاء - أرادت أو لم ترد، سمحت أو لم تسمح.
والاتحاد السوفيتي مجروح من مصر، وكمواطن ليست له ارتباطات عقائدية مع الاتحاد السوفيتي، أعترف بأن الحق معه أكثر مما هو معنا.
وفي الاتحاد السوفيتي الآن قيادة جديدة، وربما فرصة متاحة.
ولكن أين هي طرق الاقتراب الصحيحة؟ - وما العمل؟
وكانت تلك كلها جوانب من مشكلات الحقيقة الموضوعية الثالثة!
* * *
* أعود إلي قائمة الحقائق الموضوعية الرئيسية لأصل إلي
الحقيقة الموضوعية الرابعة: وهي أن الفترة الزمنية التي نعيش فيها الآن، أو سنبقي فيها إلي فترة يصعب حسابها - لها خواص لا تحتمل التأويل.
* هي - ابتداءً - ليست فترة حرب أو احتمال حرب، لأسباب كثيرة في مقدمتها سبب لا يحتاج إضافة بعده، وهو أن موازين القوي في المنطقة لا تجعل الحرب هذه اللحظة محسوبة، لأن الموازين مالت كثيراً لصالح الطرف الآخر.
ومن خواص الحروب أنها تأخذ أولية تسبق كل ما عداها من الأوليات، أي أن وجود حرب - أو حالة حرب - في بلد من البلدان كفيل في حد ذاته بتغطية أي مشاكل أخري تواجه هذا البلد. وكان يقال عندنا إنه «لا صوت يعلو علي صوت المعركة»، ولم يحدث ذلك عندنا فقط، بل إن كل بلد واجه قبلنا احتمال الحرب - أو حالة الحرب - أجل بعض تناقضاته، مهما كانت دواعيها، وأودعها خزائن أمانيه، ليتفرغ بالكامل لصراعه من أجل الحياة أو الموت وتلك طبيعة الأشياء!
بعد صراع الحياة والموت يعود الناس إلي مطالبهم الحقة أو تعود إليهم، وساعتها لا يكون في مقدور أحد أن يطلب من الوطن إبقاء أمانيه في الخزائن - رهن القفل والمفتاح.
هكذا ومع استبعاد احتمال الحرب عملياً، ومع شعار أن أكتوبر هي آخر الحروب - فإن أمانينا القديمة والجديدة تصبح في حالة خروج، في حالة انطلاق أشبه بانطلاقة المياه من فتحات خزان.
* ويتصل بذلك علي نحو ما أن الفترة الزمنية التي نعيشها - ثانياً - ليست مرحلة تحولات اجتماعية عميقة.
بمعني أن الأوضاع - مثلاً - لا تحتمل تحولاً كذلك الذي شهدته مصر بالإصلاح الزراعي سنة 1952، أو بالقوانين الاشتراكية سنة 1961، والأسباب عديدة:
- أن السلطة الغالبة في الأوضاع العربية الراهنة سلطة تقليدية محافظة، وفي الحقيقة فإن مركز الثقل الذي كان أقرب إلي القاهرة ودمشق في الستينيات والسبعينيات، أصبح الآن في الثمانينيات أقرب إلي الرياض والرباط. وفي نفس الوقت فإن المرحلة مازالت مرحلة البترول وفوائض أمواله، وذلك الوضع - النفط وفوائده - يعطي لأصحابه نوعاً من «الفيتو» علي المجتمعات التي يمكن أن تتجه إليها مساعداتهم أو استثماراتهم.
وكذلك فإن التحالفات الدولية للسلطة الغالبة في العالم العربي - غربية التكوين والهوي، لأن الولايات المتحدة تتقدم وتفرض وتهيمن، وذلك اتجاه سياسي اجتماعي.
والولايات المتحدة - إلي جانب ذلك - ليست مجرد نظام رأسمالي، ولكنها أيضاً أسلوب في الحياة له معالمه وقسماته. وهي معالم تبدو جذابة في هذه الظروف، وبصرف النظر عما إذا كان المتأثرون بجذبها يملكون أدوات ووسائل هذا الإنجذاب أو لا يملكونها.
وبالتالي فإن الاتجاه العام في المنطقة - وهو كذلك في العالم - يميل إلي اليمين، بل إن جماعات المفكرين والمثقفين في العالم العربي، وهم الذين كانوا طليعة الدعوة إلي التحولات الاجتماعية الكبري، مأخوذون الآن - شأن نظائرهم في الغرب - إلي خدمة مؤسسات الأمر الواقع، مشغولين عن قضايا التغيير الاجتماعي بقضية الوضع الاجتماعي لكل منهم، بل إن بينهم الآن من هو مهموم ليس بضرورات التغيير، وإنما بتحسين أوضاعه الشخصية!
* ثم إن الفترة الزمنية التي نعيشها ليست هي عصر القرارات الدرامية الكبري التي تحبس الأنفاس وتخطف الأبصار. فلا نستطيع علي سبيل المثال أن نُعيد تأميم قناة السويس، ولا أن نُعيد مغامرة المبادرة من أول وجديد، وعلي فرض أن هناك أطيافاً هائمة بقرارات من هذا النوع، فإن مناخ العالم، والمنطقة، ومصر لا يسمح. كما أن حالة أعصاب الثلاثة - العالم والمنطقة ومصر - لا تسمح أيضاً، لأن القرارات الكبري تحتاج إلي مناخ يفتح لها الأبواب، وأعصاب تتحمل ما بعد فتح الأبواب.
والمناخ السائد، والأحوال العصبية لكل الأطراف لا تسمح الآن بغير التزام أقصي درجات الحذر، ولعلي واحد من الذين يفضلون في هذه الفترة ضياع فرصة بداعي الحذر، علي الاندفاع لفرصة إلي قلب الخطر.
اقتراح بإعادة السلطات كلها إلى الشعب.. لأنه وحده القادر على مسؤولية مطالبه
الرئيس مبارك فى أول خطاب لأعضاء البرلمان
وإذا لم تكن هناك حرب، ولا حالة حرب، وإذا لم نكن بقرب تحولات اجتماعية عميقة، وإذا لم نكن علي وشك اتخاذ قرارات درامية كبري، وكله علي أي حال بعيد أمام أحوال لها مهام أخري ـ إذن فنحن بالفعل أمام آفاق مختلفة تستحق التأويل.
* والآن نصل بإذنكم ـ يا سيادة الرئيس ـ إلي الحقيقة الموضوعية الخامسة: وهي أننا ـ اتصالا بكل ما سبق ـ نواجه مأزقا سياسيا من نوع غريب. جماهير الشعب تطلب ما يمكن أن يدخل في نطاق المعجزات. ومؤسسة الدولة تقول إنها لا تستطيع صنع المعجزات.
المدهش أن كلا الطرفين علي حق، وهنا المأزق الذي يحتاج منا أن نفكر فيه، ونتدبر عواقبه ومضاعفاته، فهو بنفسه مستقبل مصر علي المدي القريب.
كيف يمكن أن يكون كل من الطرفين علي حق: طرف يطلب المعجزات، وطرف لا يستطيع صنع المعجزات؟
تفسير المأزق ـ فيما أتصور ـ كما يلي:
إن الجماهير تطلب من الدولة بحجم ما أخذت الدولة لنفسها من صلاحيات. ولقد أخذت الدولة في مصر صلاحيات (قوانين وإجراءات) لا مثيل لها في أي نظام في العالم:
فلديها من القوانين والإجراءات كل ما طلبته أسرة «محمد علي» لتثبيت دعائم حكمها ـ وكل ما طلبه الاحتلال البريطاني لبسط سلطته ـ وكل ما طلبته التجربة الحزبية بعد ثورة سنة 1919، سواء لصراعاتها الداخلية، أو كل ما طلبه الإنجليز من هذه التجربة بضرورات حربين عالميتين.
وعندما جاءت ثورة 23 يوليو 1952، فإنها أضافت إلي هذه الصلاحيات كل ما وجدته لازما، لما سعت إليه من تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية، وما اقتضته أحوال الحرب والسلام مع إسرائيل، وأضيف إليها فيما بعد كل الصلاحيات اللازمة لمواجهة التطرف الديني ـ والفتنة الطائفية ـ و«ثورة الحرامية» ـ ثم مأساة اغتيال الدولة سنة 1981!
ولم يحدث أن عهدا من العهود ألغي ما سبقه من صلاحيات، بل احتفظ كل منها بالقديم وأضاف إليه، وكل هذه الصلاحيات تراكمت وتكدست في بطن السلطة، ثم تغيرت الأجواء، لم نعد في حرب أو حالة حرب، ولا نحن في عهد التحولات الاجتماعية العميقة، ولا نحن في زمن القرارات الدرامية الكبري.
وهنا فإن المواطن العادي ينظر حوله ويعجب ويستغرب:
أمامه أن مؤسسة الدولة تملك كل الصلاحيات ـ كلها، وبالتالي فإنه يطالبها بكل الاحتياجات ـ كلها. بمنطق أن من يمسك بكامل السلطة، عليه أن يقوم بكامل المسؤولية.
مقدمة ونتيجة لا يمكن لأحد، ولا يحق لأحد، أن يفصل بينهما!
وهذا هو المدخل إلي المأزق. لأن إلحاح جماهير الشعب في طلب احتياجاتها سوف يزداد. ومن ناحية أخري فإن سلطة الدولة سوف تزداد شعورا بالقصور عن تحقيق المعجزات.
وكلاهما علي حق ـ كما أسلفت ـ وهنا طريق صدام خطر.
هناك ـ يا سيادة الرئيس ـ من يتصورون أن الشعب المصري مسالم، وأنه علي استعداد لأن يتقبل إلي ما لا نهاية، وأخشي أن القول ليس دقيقا، وإنما هو مسرف في تفاؤله، أو هو مسرف في تشاؤمه.
لن أعود إلي التاريخ المصري القديم، وإنما أكتفي بما رأيناه في السنوات الأخيرة.
ـ أليس صحيحا أن أكثر من 2 مليون شاب مصري، مروا بالخدمة العسكرية، وتمرسوا بكل فنون القتال، وعاشوا سنوات في خنادق الصحراء، وقيل لهم صباح مساء إن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغيرها؟
ـ وأليس صحيحا أننا بعد الحرب شهدنا سلسلة من الانفجارات تفاوتت قوتها، وكان أكبرها وأخطرها انفجار يناير 1977؟
ـ وأليس صحيحا ـ بعد ذلك ـ أننا رأينا هجرة أعداد هائلة من شبابنا إلي الدين يأسا من الدنيا، ثم إن بعضا من هؤلاء عادوا إلي الدنيا بعواصف من الغضب، مازالت ماثلة في الذاكرة مشاهدها؟
ـ وأليس صحيحا أن هناك استفزازا يوميا للناس؟: سوء المرافق استفزاز ـ وغلاء الأسعار (نسبة تضخم بمعدل 30 في المائة سنويا) استفزاز ـ وقصور الأداء استفزاز ـ والتفاوت الطبقي استفزاز ـ والفساد استفزاز ـ والمسافة بين الوعد والوفاء به استفزاز.
يضاف إلي ذلك أن القوي الاجتماعية المنظمة ـ أو القابلة للتنظيم ـ في مصر لابد أن يحسب حسابها:
ـ لدينا أكثر من 2 مليون خريج جامعة.
ـ لدينا أكثر من 7 ملايين عامل في الصناعة والخدمات.
ـ لدينا أكثر من مليون في الجامعة والمعاهد العليا الآن.
ـ لدينا أكثر من 2 مليون مصري يعملون في البلاد العربية، وهؤلاء قوة تأثير اقتصادي واجتماعي وفكري لاشك فيها، وهم بعيدون عن تأثير أجهزة التوجيه في مصر (حتي أجهزة التوجيه هذه فقدت تأثيرها في مصر ذاتها).
بعض هذه القوي لديه تنظيمات سياسية تشارك في الحياة السياسية الظاهرة، وبعضها له انتماءات لتنظيمات تحت الأرض، لكن الأغلبية الساحقة منها ـ علي أي حال ـ غير منتمية لتنظيم، لكن مثلها وآراءها ومصالحها تجعلها كتلة هائلة.
هذه الكتلة هي عنصر الثبات في الوضع الاجتماعي المصري. والسؤال الكبير المعلق هو: إلي متي تظل هذه الكتلة ثابتة في مكانها لا تتحرك؟ ـ وإذا تحركت، فإلي أي اتجاه؟
أعود إلي تلخيص مقولتي الأساسية في هذه الحقيقة الموضوعية الخامسة:
ـ هناك جماهير تحتاج إلي ما هو في نطاق المعجزات، ومؤسسة دولة لا تستطيع صنع المعجزات.
(كلا الطرفين علي حق).
ـ وهناك مؤسسة دولة في يدها كل الصلاحيات، ولهذا فإن جماهير الشعب تطالبها بكل الاحتياجات.
(كلا الطرفين علي طريق صدام).
من حسن الحظ ـ يا سيادة الرئيس ـ أن وطنيتكم وحكمتكم أوقفت تداعي الأمور إلي نقطة اللاعودة.
لقد كنا بقرب احتمال صدام أثناء خريف الغضب سنة 1981، ولو أن القطارات ظلت علي القضبان أثناء ما أطلقوا عليه وصف «ثورة 5 سبتمبر»، لكنا وصلنا إلي تقاطع طرق، تصادمت فيه حتي النهاية كل القوي وكل الاتجاهات وبقوة اندفاع، فالت عيارها!
لكنكم ـ يا سيادة الرئيس ـ وهذه شهادة حق، تقدمتم بخطا واثقة، فأوقفتم تداعي الصدام الرهيب عند تقاطع الطرق. لكن واقع الحال، ومتطلبات المستقبل، تطالبكم ـ تطالبنا جميعا ـ باقتحام الطرق واسعة، بمسيرة إلي الغد سالمة، وإلي ما بعد الغد مأمونة!
* * *
بعد هذه الحقائق الموضوعية الخمس، أضيف ملاحظة يا سيادة الرئيس. أعترف ـ دون أن أدعي لنفسي شيئاً ـ أنني كنت باستمرار ـ ولاأزال ـ من أنصار عدم الإلحاح علي وقتكم وعلي شواغلكم، وحتي علي مستشاريكم.
ولم أكن راغبا ـ ومازلت غير راغب ـ في أي محاولة تقاطع تسلسل تفكيركم، حتي وإن كان لي ـ أو لغيري ـ رأي مختلف في تصرف هنا أو إجراء هناك.
وحين جاءني البعض ـ علي سبيل المثال ـ يتساءلون عن حكمة قبولكم لرئاسة الحزب الوطني ـ فقد كان تقديري وقد قلته لهم: «مادام هو قد رأي ذلك، فعلينا تقدير اعتباراته».
وحين جاءني البعض ـ علي سبيل المثال ـ يتساءلون عن تشكيل أول وزارة في عهدكم ـ فقد كان تقديري وقد قلته لهم: «مادام هو قد رأي ذلك، فهذا حقه، وعلينا تفهم سبب اختياره».
وحتي حين جاءني البعض يتساءلون عن مد قانون الطوارئ سنة أخري ـ فقد كان تقديري أنه تفصيل، والمهم أن نترك له فرصة كافية يصل فيها إلي نسق كامل، وإلي تصور محكم للإطار الذي يريده لعصره ولحكمه.
ثم إنه يبقي لكل واحد منا ـ إذا كان ذلك في استطاعته ـ أن يطرح أمامه وأن يقترح.
* * *
سيادة الرئيس
بإذنكم أمارس هذا الحق أمامكم، حق أن أطرح وأن أقترح، أو حتي حق أن أتمني وأن أحلم، محاولا أن أجيب عن السؤال الكبير: ما العمل؟
وعليه سوف أتجاسر وأقترح عليكم مشروع خطاب توجهونه إلي الأمة، أتصور ـ وقد أكون مخطئا ـ أنه يمكن أن يشكل بداية جديدة لم يعد هناك بد منها.
أقترح ـ يا سيادة الرئيس ـ مشروع الخطاب التالي منكم إلي الأمة:
يا جماهير شعبنا المصري العظيم
أتحدث إليكم اليوم عند مفترق طرق في تاريخنا.
وأعتقد أنني لست في حاجة إلي أن أشرح لكم حقائق ما تعرضت له مصر بالأمس، وحقائق ما تواجهه مصر اليوم، وحقائق ما ينتظر مصر في المستقبل.
كلكم يعرف الصورة كاملة، لأننا عشناها معا، أعباؤها مسؤوليتنا جميعا، ونتائجها مستقبلنا المشترك.
ومجمل الصورة يقول لنا إن مصر تحتاج إلي بداية جديدة، وأشعر أنني مستعد لها، وأشعر أيضا أنكم علي استعداد.
ولقد جئت إليكم اليوم بجدول أعمال لمهمة، أعتقد أنها تسبق كل المهام، وهى مدخل إلى كل المهام، التى ىتحتم علىنا ـ بعون الله ـ أن نفى بها.
لقد جئت إلىكم الىوم بجدول أعمال لمهمة إعادة البناء السياسى والدستورى ـ بل والإنسانى ـ لهذا الشعب الذي كان علي الدوام مثالا لأمته العربية، وسيظل بإذن الله طليعة لها.
إن جدول أعمالنا لهذه المهمة المقدسة العظمي يتضمن الخطوات التالية:
1ـ تنتهي مدة مجلس الشعب الحالي ـ الذي انتخب في يونيو 1979 ـ في يونيو سنة 1984، واقتراحي ـ وأرجو أن توافقوا عليه ـ أن يستكمل مجلس الشعب الحالي مدته الطبيعية، لأسباب عديدة: بينها أن لا يحدث فراغ تشريعي، وبينها أن تكون الفترة من الآن وحتي صيف يونيو 1984 فسحة تمهيد لحقبة جديدة.
2ـ بالتوازي مع ذلك، ولضمان تمثيل كل القوي في مجتمعنا بالوزن الحقيقي لكل منها في تقدير الجماهير، فإني أعرض السماح بحرية تكوين الأحزاب السياسية.
ولضمان السلامة والجدية في تكوين الأحزاب الجديدة، فإني أقترح الضوابط التالية:
أ - كل جماعة تمثل فكراً تلتقي عليه مصالحها ومطالبها الاجتماعية وتريد أن تعبِّر عن نفسها سياسياً - يكون من حقها الشروع في تكوين حزب، شريطة أن تضع لنفسها برنامج عمل أساسياً.
ب - تقدم هذه الجماعات مشروعاتها إلي هيئة خاصة سوف أعلن تشكيلها من عدد محدود من الشخصيات العامة التي يلتقي الإجماع علي حكمتها ونزاهتها.
ويتحتم أن تتقدَّم هذه الجماعات بمشروعاتها إلي هذه الهيئة الخاصة، مصحوبة بتوقيعات موثقة من مائة ألف ناخب علي الأقل، وذلك ليس ضماناً للجدية فحسب، وإنما في نفس الوقت ضمان لقدرة هذه الجماعات علي الوصول بأفكارها إلي عموم الناس.
جـ - بعد موافقة هذه الهيئة علي المشروعات التي تُقَدَّم إليها ببرامجها المبدئية، وبالتوقيعات الموثَّقة لمائة ألف ناخب علي الأقل - يعلن قيام هذه الأحزاب رسمياً، ويكون عليها أن تعد برامجها التفصيلية للعمل الوطني، ويكون لها أن تدعو لهذه البرامج بكل الوسائل الشرعية، بما في ذلك حق هذه الأحزاب في صحف تعبر عنها.
د - أظنكم توافقونني علي أننا لا نستطيع - لا اليوم ولا غداً - أن نسمح بأحزاب علي أساس ديني، فنحن مجتمع يتعايش فيه دينان سماويان، وإذا سمحنا بأحزاب علي أساس ديني، فمعني ذلك أننا نفتح الباب واسعاً - لا قدَّر الله - لصراع أديان أو لفتن، وعلي أي حال فإن الدين ليس حركة سياسية، وإنما عقيدة سماوية، وتستطيع الأحزاب أن تستوحي ما تشاء من عقائد السماء، لكنه ليس من حقها أن تستغل هذه العقائد وسيلة إلي سلطة سياسية - أي دنيوية.
3 - في نفس الوقت وبالتشاور مع كل القوي الوطنية فسوف أقوم بتشكيل لجنة قومية تضع مشروعا لدستور جديد تجري مناقشته علي أوسع نطاق بين كل قوي الشعب، وتنظيماته الطبيعية، مثل: النقابات المهنية والعمالية، واتحادات الفلاحين، والغرف التجارية،
والهيئات القضائية، وهيئات التدريس في الجامعات، واتحادات الطلبة، ومن المرغوب فيه أن نضع تحت تصرف هذه اللجنة عدداً من مجموعات العمل تقوم بالتحضير لمناقشاته، خصوصاً في بعض القضايا الحيوية التي أصبح من الضروري أن نفصل فيها برأي نهائي،
وبينها - علي سبيل المثال - قضية الصحافة الحزبية وغير الحزبية، وقضية أن تظل أجهزة الإعلام الأخري - كالإذاعة والتليفزيون - في خدمة الناس، وقضية دور القطاع العام الذي أراه دعامة رئيسية من دعامات الإنتاج في وطننا، كذلك فقد يكون من المهم أن تكون هناك دراسة واسعة عن الضرورات الاستراتيجية لأمن مصر، بما في ذلك انتماؤها العربي.
وأقترح أخيراً لجنة خاصة لقضية حقوق الإنسان.
4 - تجري انتخابات عامة لمجلس شعب جديد علي أساس مشروع الدستور الجديد، ويكون إجراء الانتخابات علي أساس مشروع هذا الدستور، وتكون مناقشته بعد ذلك وتعديله فيما يستقر عليه الرأي واعتماده بمثابة إصدار نهائي له، وإشارة إلي الشعب بأن ذلك دستوره الدائم، وعليه أن يحميه ويفديه.
5 - إنني لا أحابي الحزب الوطني، ولا أجامله علي حساب أحد، ولكني أظن - من وجهة نظري - وأرجو أن تقروني عليها - أن هذا الحزب قام بدور كبير في مرحلة حرجة، ولدواعي الاستمرار والاستقرار فأنا أري أن تظل حكومة هذا الحزب، وبواسطة أغلبيتها في المجلس التشريعي القائم حتي نهاية مدته سنة 1984، وهذا يعطيها الفرصة في عديد من المجالات:
أ - يعطيها الفرصة لتسيير أمور الشعب.
ب - يعطيها الفرصة لمواجهة الإرهاب.
جـ - يعطيها الفرصة لمواجهة الفساد والانحراف.
د - وعن طريق هذا كله، فإنه يعطيها الفرصة لبناء حزبها بنشاط متجدد وفاعلية وأصالة، يكون الحكم الفيصل فيها جميعاً للناخبين، حين يتقدم هذا الحزب - شأنه شأن غيره من الأحزاب - لطلب ثقة الناخبين في يونيو 1984.
علي أن مقتضيات الإنصاف سوف تفرض علي الحزب الوطني أن يتنحي عن السلطة ابتداءً من شهر مارس 1984، لكي تقوم بالإشراف علي إدارة الانتخابات حكومة مؤقتة أرأسها بنفسي حتي تكفل حيدة الإدارة في المعركة الانتخابية، وضماناً لصدق تمثيلها لقوي الجماهير.
6 - بإذنكم سوف أضع رئاستي للجمهورية تحت تصرفكم فور صدور الدستور، وبإذنكم سوف أتقدم لترشيح نفسي من جديد علي أساسه لمدة رئاسة أخري وأخيرة، وبإذنكم أتقدم إليكم ومعي علي نفس البطاقة رجل أختاره نائباً للرئيس - بحيث تبدون رأيكم فينا نحن الاثنين في نفس الوقت،
ولست أخفي عليكم أنني لست قرير العين بالأوضاع الحالية التي تسمح للرئيس القائم بالحكم أن يبقي فيه كما يشاء، ثم تسمح له كذلك أن يعين من يختاره نائباً له فيصبح بعده أقرب الناس إلي الرئاسة عملاً وفعلاً بحكم طبائع الأمور، إن هذا الوضع يجب أن يتغير، فتكون الرئاسة مدة واحدة خمس أو ست سنوات، وتكون مهمة نائب الرئيس مساعدة الرئيس في مهامه، وتكملة مدته إذا طرأ - لا قدَّر الله - طارئ.
وأصارحكم أنني كنت أتمني لو أنه كان في مقدوري أن أكتفي بدوري حتي الآن كجسر عبور مما هو قائم إلي ما ينبغي أن يقوم، لكنني أحس بشعور مواطن مصري شديد الولاء لوطنه ولأمته، بأن الجسر يجب أن يظل حتي يتم العبور كاملاً بسلام وإلي بر الأمان.
يا جماهير شعبنا المصري العظيم.
أنتم أصحاب كل الحقوق، وأصحاب كل السلطات، ويجب أن تعود إليكم بالكامل.
وأصارحكم القول بأن أمانينا الكبري لم تعد تستطيع الوفاء بها إلا إرادتكم أنتم، وعزيمتكم الصلبة، والطاقات الهائلة التي اكتسبتموها خلال تاريخ طويل مجيد.
هذا هو الطريق، وليس هناك طريق سواه، ليس هناك طريق آمن سواه.
والسلام عليكم ورحمة الله.
* * *
لقد فكرت طويلاً - يا سيادة الرئيس - وقلَّبْت وراجعت كل المعطيات والممكنات، ثم أعدت التقليب والمراجعة مرات بعد مرات.
وحاولت أن أكون عملياً وواقعياً، فلم أترك طموح الأماني يشدني إلي ما أعلم أن واقع الحال لا يسمح به.
وبذلت جهداً لكي أكون متوازناً ومنطقياً، لأن هناك أوضاعاً تفرض نفسها، وتجاهلها سذاجة، وقد يكون حماقة.
وفي النهاية، توصلت إلي ما ظننته مناسباً.
والحقيقة أنه لم يعد باقياً من موارد هذه الأمة إلا الإنسان، فلقد أُهْدِرت موارد كثيرة: أُهْدِرت موارد استراتيجية واقتصادية ومالية وفكرية، وأُهْدِرت تجارب، وأُهْدِرت حقب من النضال - حتي وصلنا الآن إلي خط الدفاع الأخير، لا نملك أن نتراجع عنه، ونستطيع أن نتقدم منه إذا استطاع «إنساننا» العربي في هذا العصر أن يمسك في ايديه زمام مصائره ومقاديره.
سيادة الرئيس
من فينا يستطيع أن يتحمل مسؤولية الحقائق الموضوعية الراهنة، ويفتح في حصارها منافذ إلي استراتيجيات وسياسات قادرة بدورها علي الانطلاق بعد الحصار؟
ومن فينا يستطيع أن يتحمل مسؤولية الصدام القادم لا محالة، إذا استمر تجميد الحركة السياسية، بينما الواقع الاقتصادي والاجتماعي يغلي تحتها ويفور؟
ومن فينا يستطيع أن يتحمل مسؤولية المعادلة الرهيبة بين جماهير تطلب معجزات مستحيلة عملياً، وأجهزة دولة تملك سلطات تكفي لصنع المعجزات؟ - كذلك يقول حجم السلطات!
ومن فينا يستطيع أن يتحمل مسؤولية التقدم إلي الأمة العربية في جو الشكوك والريب السائد، وفي مناخ الخطر الذي تصنعه حركة واحتكاك هذه الأمة بقوة إمبراطورية صغيرة، ولكنها ضارية - في وسطها؟
ومن فينا يستطيع أن يتحمل تكاليف الصراع بين إمبراطوريتين هائلتين تتحفزان وتتربصان علي حافة المنطقة وعلي أطرافها، وفي القلب منها أحيانا؟
ومن فينا يستطيع أن يتحمل مسؤولية إعادة فرز كل التراكمات المكدسة والمتناقضة: حقب استعمارية وإقطاعية، اشتراكية وتحررية، رأسمالية وانفتاحية - ولكل منها بقاياها وذيولها؟
ومن فينا يستطيع أن يتحمل مسؤولية مراجعة كل التعقيدات التي صنعناها بأنفسنا لأنفسنا، لأننا أردنا في كل العهود - وليس في عهد واحد، حتي نكون منصفين - أن نُفَصل للمشاكل حلولاً علي هوانا، حتي مشاكل الحرية؟!
من فينا يستطيع أن يتحمل مثل هذه المسؤوليات؟ وغير هذه المسؤوليات كثير، بلا حصر ولا عدد.
إذن فإن الحل في يد الشعب، وإذا كان ما يواجهه من قبيل المستحيلات - فإنه وحده يقدر علي صنع المعجزات.
* * *
ولقد يستهول بعضنا هذه العملية، إذ يرونها بداية من جديد عند الخطوة الأولي من الخلق السياسي والدستوري والقانوني - لكنه كما يقول الفقهاء «لابد مما ليس منه بد» - ثم إن ذلك ما أخذت به شعوب ودول أخري أبعد منا عهداً بالحرية والديمقراطية، عندما عاشت أو عانت من أزمات كبري،
تغير بعدها ما كان قبلها، ومن هذه الدول فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، وهي ضمن الحلفاء المنتصرين، وصاحبة مقعد دائم في مجلس الأمن الذي أقامه ميثاق الأمم المتحدة التي شاركت في تحقيق النصر علي النازية والفاشية.
وإذا كان الحق أحق أن يقال - إذن فلا مفر من الاعتراف بأنه لا بديل عن بداية جديدة ليس لها إلا مدخل وحيد، وهو أن ترجع الأمور إلي الشعب.
إذا كان يطلب المعجزات، فواجبه أن يصنعها.
وإذا كان هناك ما يدعو إلي التضحيات، فهو وحده الذي يستطيع أن يفرضها علي نفسه، لأنه هو الذي سيدفع تكاليفها.
وإذا كان عليه أن يتحمل كل المسؤوليات، فلابد أن تكون في يده كل السلطات.
نوفمبر 1982
……….
يناير 2008
.. ومضي ربع قرن.
24/1/2008
كان هدف المقال الخامس مقاربة موازين القوي الدولية، خصوصاً في العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، وكانت تمر بمرحلة حرجة.
وكان توازن القوي الدولية بالنسبة لمصر مسألة حيوية، علي الأقل حتي تتمكن مرة أخري من إعادة حساباتها وتقديراتها لنظام دولي جديد، وتبين أمامها ملامح عصر مختلف لاحت بوادره فعلاً من خلال ضباب الحرب الباردة الذي زادت كثافته قبل لحظة النهاية لسببين:
أولهما: سياسة الرئيس الأمريكي «رونالد ريجان» التي لخصها في وصفه للاتحاد السوفيتي بأنه «إمبراطورية الشر»، ورفع درجة حمي سباق السلاح، بما سمي وقتها «حرب النجوم».
والثاني: نهاية عصر الجمود العظيم - عشرين سنة - في الاتحاد السوفيتي تحت سلطة «ليونيد بريجنيف» (واثنين من رفاقه علي القمة، هما رئيس وزرائه «كوسيجين» ورئيس الدولة «بادجورني»)، وكانت تلك القيادة عجوزاً تأخرت في الموت، دون أن تكون قادرة علي الحياة! ولاحت بارقة نبض بعد وفاة «بريجنيف» ومجيء «أندروبوف» بعده، وهو رجل لديه ملكات القيادة، وقد اعترف له بها كل الأطراف، كما امتلك وسائل في الكفاءة، وقد وفرتها له قيادته لجهاز المخابرات الشهير «K.G.B» سنوات طويلة، لكن الذي لم يكن يعرفه الذين راهنوا علي «أندروبوف» أن الرجل كان علي وشك الموت - هو أيضاً - بفشل كامل في الكلي.
وبعد «أندروبوف» وصل إلي القمة في الكرملين «تشيرننكو»، لكن بقاءه علي تلك القمة لم يدم أكثر من سنة، ثم سار به موكب جنائزي إلي قبر في جدران الكرملين. وكان ذلك موسم جنازات الزعماء في الاتحاد السوفيتي، وكانت له بالتأكيد آثاره، ولعل مواكب الجنازات ذاتها كانت انعكاساً لأحوال الداخل السوفيتي، وانعكاساً لمستوي القمم في الكرملين. وكذلك وقفت عجلة المصادفات عند رجال من مستوي «بوريس يلتسين»، و«ميخائيل جورباتشوف»، وعلي أيديهما جاءت نهاية الدولة السوفيتية!
نوفمبر 2003
نوفمبر 1982:
سيادة الرئيس
لا أستطيع أن أعبر لكم عن شعوري بالتعاطف معكم، مع إحساس ينبع من العقل والقلب والضمير معاً، بأن الظروف وضعت علي أكتافكم أعباءً ثقالاً. والأصعب - يا سيادة الرئيس - خصوصاً وأنني لا أري أيدي أو أفكاراً تساعد بفعلٍ أو قولٍ، وإنما أري بالعكس أن الساحة مزدحمة علي الآخر برجال البارحة يحاربون معارك البارحة وبأسلحة البارحة، ناسين جميعاً أن اليوم شمس جديدة وغداً عالم مختلف.
معظمهم - معظمنا - أقولها بصيغة الجماعة لا مجرد الجمع حتي تشملني أنا الآخر معهم - لانزال نعيش الماضي، رهائن لأحلامه وأوهامه، لانتصاراته وصدماته، لعداواته وصداقاته. ولعله ارتباط الناس بما عاشوه، أو لعله حنينهم إلي ما ألفوه، أو ربما لأن المتغيرات التي أصابت دنيانا كانت من القوة والعمق بحيث وقفنا أمامها حياري عاجزين. ثم كان سبيلنا الوحيد إلي الراحة والطمأنينة أن نستدير عائدين - أو هاربين - إلي حيث كنا، غافلين أن ما كان لم يعد حيث كان، ولم يعد كما كان، بل لعله لم يكن هناك من الأصل!
……….
وضروراتكم - يا سيادة الرئيس - مسألة أخري، أشد اختلافاً وأكثر تعقيداً، فاليوم شاغلكم، والغد مسؤوليتكم، وفي ذلك كفاية، وأكثر من الكفاية!
ولعلي ألخص صورة ما يواجهكم كما يلي:
1. لديكم في داخل مصر أوضاع ليس فيها ما يدعو إلي تهنئتكم بها (شرحت بعض ذلك من قبل).
2. وأمامكم في العالم العربي أحوال ليس فيها ما يحسدكم عليه أحد (أشرت إلي طرف من ذلك فيما سبق).
3. حولكم في المحيط الدولي أهوال ليس فيها ما يغري بالطمأنينة!
وإذا تذكرنا أن الوضع الدولي، وموازين القوي المؤثرة عليه، والمناخ السائد في أجوائه - واحد من المتغيرات الأساسية، التي يجب أن يأخذها كل طرف في حسابه، حين يمارس دوره في مجتمع الدول - إذن فإن علينا أن نتأمل ما حولنا بدقة وعناية.
وإذا تذكرنا أن العصر الحديث بوسائله، استطاع تحويل الكرة الأرضية كلها إلي قرية صغيرة تعيش حياة واحدة - نفس الأزمات تلاحقنا - نفس الأخبار تشدنا - نفس الرجال يطاردوننا - نفس الكتب - نفس الأفلام - بل نفس الألعاب، (فقد كان هناك في الصيف الماضي - مثلاً - ألف مليون إنسان في كل أرجاء المعمورة يتابعون في نفس اللحظة عن طريق الأقمار الصناعية مباريات كأس العالم في كرة القدم، وكانوا جميعاً في نفس اللحظة مشغولين بنفس اللاعبين، ونفس الأهداف، ونفس الملعب في إسبانيا) - إذا تذكرنا ذلك كله، فإننا مطالبون بأكثر من مجرد تأمل ما حولنا، مطالبون أكثر من ذلك بأقصي درجات التنبه والحذر.
***
سيادة الرئيس
لا أبالغ إذا قلت إن الموقف الدولي خطير، بل لعلنا الآن في أخطر موقف منذ انتهت الحرب العالمية الثانية:
* من ناحية، لأن العالم الآن بقرب توتر سياسي وعسكري ظاهر.
* ومن ناحية أخري، لأن العالم الآن بقرب احتمال انهيار اقتصادي واجتماعي قادم.
والواقع أن الناحيتين - السياسية العسكرية من جانب والاقتصادية الاجتماعية من جانب آخر - هما وجهان لعملة واحدة.
وبإذنكم أشرح ما أريد قوله، لكي تكون وجهة نظري كاملة أمامكم.
إن المشكلة في متابعة السياسة الدولية - يا سيادة الرئيس - أن أزمات بعينها تستولي علي اهتمامنا واحدة بعد الأخري، وبذلك فإننا ننشغل بتفاصيل الأمور عن كلياتها، ونصبح كمن تلفت نظره الجزر التي تبرز وسط نهر كبير، ناسياً أن الجزر مجرد ظواهر في حياة النهر الكبير. وفي الغرب تشبيه شائع يحذر من ظواهر الأمور، لأنها تصبح كمثل الشجرة، تحجب الغابة الكبيرة وراءها.
وإذا أردنا في السياسة الدولية أن نري النهر وليس الجزيرة التي تبرز وسط مجراه، وأن نري الغابة وليس مجرد الشجرة - فإن علينا أن ننسي الظواهر - الأزمات لبعض الوقت، وأن نعيد استرجاع الخط الرئيسي لمجري الصراع الكبير الذي يحكم هذا العصر الذي نعيش فيه، وهذا الزمان الذي نمارس أدوارنا في إطاره.
***
ومع أن هناك اتصالاً في مراحل التاريخ، إلا أننا نستطيع القول - يا سيادة الرئيس - بأن الحرب العالمية الثانية كانت نقطة تحول بارزة، لأنه عندما انتهت معاركها بالهزيمة الساحقة للنازية، والاستنزاف الشديد لقوي الإمبراطوريات الأوروبية التقليدية - وبالذات بريطانيا وفرنسا - ظهر نظام عالمي جديد تسنده قواعد غير أوروبية لأول مرة منذ قرون طويلة.
كان النظام الجديد يستند من ناحية علي الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ناحية أخري علي الاتحاد السوفيتي.
غرب أمريكي له آفاقه وله نجومه السابحة في فلكه، وشرق سوفيتي له - هو الآخر - آفاقه وله نجومه السابحة في فلكه، وكلاهما ليس بالضبط أوروبياً (علي عكس ما كان سابقاً).
وبتأثير الانتصار الكبير علي النازية، فإن الغرب والشرق تصورا إمكانية شراكة من نوع ما بينهما لتركيب وضبط نظام عالمي آمن، تكون الأمم المتحدة واجهته، ويكون ميثاقها قانونه.
لكن تأثير الانتصار الكبير ما لبث أن شحب، ولاحت بوادر التناقضات بين قوتين عظميين، لكل منهما عقيدة اجتماعية تؤمن بها، وكان ذلك مكمن الفتنة.
وكانت الأمم المتحدة (واجهة بناء)، وأما البناء نفسه - فقد كان ميثاقها «القانوني» - ولم تكن صياغته قد اكتملت بعد عندما ألقت الولايات المتحدة قنبلتها الذرية موجهة علي اليابان مباشرة - وإلي غير اليابان بالإشارة. وبرغم أن صياغة الميثاق كانت قد اكتملت، فإن النظام الجديد وجد نفسه مرغماً علي وضع الميثاق والقانون علي الدرجة الثانية بعد حقائق القوة النووية المستجدة، وكان ذلك علي حافة الهاوية أحياناً. ومن بداية الخمسينيات احتدم التسابق إلي تصنيع وتخزين الأسلحة النووية بين الاثنين، وكل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي يتصور أن التفوق ممكن، بما يعنيه ذلك من قدرة أحدهما علي السبق بضربة مميتة، تجهز علي خصمه وتترك الدنيا كلها مجالاً مفتوحاً لسيطرته.
ثم اكتشف الطرفان أن الحرب النووية مستحيلة، لأن كل واحد منهما عنده من المخزون ما يكفي لتدمير الآخر، وراح الطرفان يحاولان استعادة ما كان بينهما، ويجربان الرجوع إلي روح انتصارهما المشترك علي النازية، وبالتالي تفادي الخطر بدرجة من التعاون قد تصل يوماً إلي درجة من الوفاق.
وساعد علي ذلك الانضباط في بداية الخمسينيات عنصران:
العنصر الأول: اختفاء «جوزيف ستالين» الزعيم الروسي العنيد، وظهور قيادة سوفيتية جديدة في الكرملين، استشعرت أن شعوبها تستحق ما هو أفضل بعد تضحياتها الهائلة في الحرب العالمية الثانية.
والعنصر الثاني: أن جيل الزعماء الذين كانوا يحكمون الغرب كانوا لا يزالون من ذلك الجيل، الذي عرف أهوال الحرب التقليدية لأنه خاض معاركها.
وكان الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت - قائد معسكر الغرب - الجنرال «دوايت أيزنهاور» القائد العام لقوات الحلفاء في الحرب ضد «هتلر».
وكان الحكام الجدد في الكرملين من نفس الجيل («فورشيلوف» رئيس الدولة - «بولجانين» رئيس الوزراء - و«خروشوف» السكرتير الأول للحزب الشيوعي السوفيتي، وكان معهم «جوكوف» ماريشال الاتحاد السوفيتي الأشهر!).
هكذا جاء مؤتمر جنيف سنة 1955.
أتاحت لي الظروف أن أتابعه بنفسي - يا سيادة الرئيس - ورأيت مشاهده بعيني، وتابعت وقائع ما دار فيه علي الطبيعة.
كان المؤتمر بالاسم قمة رباعية (الولايات المتحدة يمثلها «أيزنهاور - والاتحاد السوفيتي يمثله «بولجانين» - وبريطانيا يمثلها «إيدن» - وفرنسا يمثلها «إدجار فور») - لكن الحقيقة الكبيرة في جنيف، أن المؤتمر كان ثنائياً بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، والباقين مجرد شهود خفَّ تأثيرهم بمقدار ما خفَّت قوتهم.
بل إن حقائق الأمور فرضت نفسها أكثر من ذلك، فقد اكتشف الأمريكيون أن النجم الصاعد في موسكو هو «خروشوف» - فإذا الحوار مباشر بين «أيزنهاور» و«خروشوف»، وإذا الوسيط بين الاثنين هو الماريشال «جوكوف»، الذي كان قائد الجبهة الشرقية عندما كان «أيزنهاور» قائداً للجبهة الغربية.
وساد ما أطلق عليه في ذلك الوقت وصف «روح جنيف»، وكان الأمل - أو كان الظن - أن النظام الدولي الجديد أعيد تدعيمه واستعيدت ضوابط حركته.
* * *
في ذلك الوقت - يا سيادة الرئيس - كان هناك عامل جديد يظهر علي الساحة الدولية، بعيداً عن أوروبا وأزمة الزمن الأوروبي، وبعيداً عن «روح جنيف»، وعلي أي حال فإنه لم يكن طرفاً فيها، وكان هذا العامل الجديد هو حركة التحرر الوطني التي لعبت مصر فيها دوراً قيادياً بارزاً من أواسط الخمسينيات وحتي أواخر الستينيات.
كانت هذه الحركة تضم شعوباً خلصت نفسها حديثاً من قيود التبعية والاستعمار، وراودتها آمال كبري في الحرية والتقدم، ولأنها وجدت نفسها خارج النظام الدولي، فقد اعتبرت أنها لم تكن مقيدة بضوابطه، ثم إنه لم يكن هناك قيد نووي علي حريتها في الحركة، كذلك فإن هذه الدول راحت تطلب مراجعة النظام الدولي القائم.
ولفتت حركة هذه الدول أنظار الكبار.
كانت الخطوط التي جري الإقرار بها كلها في أوروبا - ولكن هذه الخطوط لاتزال بعد في حالة سيولة بالنسبة للعالم الثالث، وبدأت حركة التحرر الوطني فيه تحت شعارات «باندونج» أولا - ثم في بلجراد والقاهرة ثانياً تحت شعارات «عدم الانحياز».
بمعني أن الانضباط تحقق إلي حد ما علي الخطوط التي تم إقرارها في أوروبا.
ولكن الفرص لاتزال سانحة عند حالة سيولة الخطوط في آسيا وأفريقيا (والشرق الأوسط جسر اللقاء بين القارتين).
وأقبل بعض الكبار علي الفرص السانحة.
وفي تلك الأيام، لم يكن لدي الولايات المتحدة الأمريكية كثير تعطيه للشعوب والبلدان الجديدة الداخلة حديثاً إلي الساحة الدولية، لأن تلك الدول مضت تعيش مرحلة الثورة الوطنية (تناضل من بقايا الاستعمار، وتتلمس طريقاً إلي التنمية المستقلة، ولم يكن ذلك مرضياً للولايات المتحدة وهي وريث القوي الأوروبية).
وفي تلك الأيام، كان لدي الاتحاد السوفيتي شيء يعطيه لهذه الشعوب والدول متمثلاً في (سلاح يساعد علي الخلاص من بقايا الاستعمار، ومشروعات صناعية وزراعية تغري طموح شعوب ودول يمكن أن تكون صديقة، ويمكن لصداقتها أن تساعد علي تنشيط تجارة الاتحاد السوفيتي وعلي نشر شعور بالمودة نحوه).
وكانت القيادة الجديدة في موسكو خبيرة بمشاكل الأمن الأوروبي، ولكن العالم الثالث تبدي أمامها عالماً مجهولاً، لاحت فيه آمال كبري في مناطق لم تتحدد بعد خطوطها.
وكانت أزمة السويس، وحرب السويس بعدها علامة مهمة علي الطريق، بل إنها كانت بداية طريق وصل فيه الاتحاد السوفيتي طويلاً وبعيداً في الشرق الأوسط ووراءه إلي أعماق أفريقيا وآسيا.
وبدا أنه يكسب، ويتقدم، في تلك المناطق السائلة.
* * *
إن الولايات المتحدة - بالطبع - رأت الخطر وقدرته، ولعلها بالغت في رؤيته وتقديره، فمن وجهة نظرها كانت الصورة كما يلي:
1- إن الاتحاد السوفيتي يتقدم بسرعة في مناطق تصعب السيطرة عليها لاتساعها من ناحية، ولقوة التيارات المؤثرة فيها من ناحية أخري (تيارات معاداة الاستعمار، والأخذ بالتخطيط طريقاً للتنمية - إلي آخره).
2 ـ إن مواجهة هذا التقدم بالتهديد النووي الأمريكي مستحيلة، كما أن مواجهته بالحرب المسلحة يضع الولايات المتحدة أمام مخاطر التدخل العسكري في بلاد بعيدة ـ وعلي الشواطئ الآسيوية والأفريقية ـ وهذا نزيف لا يمكن احتماله (كانت حرب كوريا درسا، ثم تكرر الدرس بعد ذلك، بطريقة أقسي وأمَرّ ـ في فيتنام).
3 ـ إن مكانة الاتحاد السوفيتي تتزايد حول مناطق تملك الولايات المتحدة وحلفاؤها فيها مصالح هائلة، وصحيح أن الاتحاد السوفيتي كان يحاذر قبل الاقتراب من هذه المصالح (كبترول العالم العربي مثلاً) ـ لكن الأمور لا يمكن تركها لحذر الاتحاد السوفيتي تحت قيادته الحالية، أو لمغامراته إذا جاءته يوماً قيادة مستعدة للمخاطرة.
4 ـ إن التقدم السوفيتي يصعب اعتراضه بمواجهة مباشرة مع الاتحاد السوفيتي نفسه، فقد كانت موسكو مستعدة في أي وقت أن تشير إلي الأطراف المحليين في الفوران الآسيوي الأفريقي، وتقول ببساطة إنها لا تملك عليهم أمراً، وإن هؤلاء يرسمون لأنفسهم سياساتهم، وبالعكس فإنها ـ بالمسؤولية الدولية عن النظام وهي شريكة فيه ـ تحاول أن تقوم بدور العامل الملطف لجموع الرغبات والتطلعات التي حبسها الكبت الاستعماري قروناً طويلة.
وجرَّبت الولايات المتحدة في ذلك الوقت أساليب العمل السري، وفيه محاولات الغزو من الداخل لبعض البلدان التي زاد تأثيرها في أقاليمها إلي درجة تجاوزت حدودها، ومصر علي طليعة تلك البلدان، ولم تنجح محاولات الغزو من الداخل في ذلك الوقت.
وبالتوازي مع ذلك، جربت الولايات المتحدة ـ بواسطة نفس الأساليب ـ أن تنقل المواجهة الساخنة إلي قلب المعسكر الآخر، فكان من ذلك حوادث المجر التي توافقت سنة 1956، مع أزمة السويس، وتدخل الاتحاد السوفيتي بسرعة وبالقوة لضرب المحاولة في المجر، ومع أن الولايات المتحدة استغلت حوادث المجر دعائياً إلي أبعد حد، إلا أن كثيرين أدركوا فيما بعد أنه ليس من حقهم أن يدفعوا الأمور إلي الحافة الحرجة، ثم لا يكون في مقدورهم غير الوقوف عاجزين إزاء ضربة القوة تنقض علي رؤوس الضحايا، ضحايا للتحريض الأمريكي ثم التردد بعده، وضحاياً للقمع السوفيتي بغير تردد.
في ذلك الوقت ـ يا سيادة الرئيس ـ كان هناك تطور مهم يجري في الولايات المتحدة.
وصل إلي القمة ـ إلي البيت الأبيض ـ رجال من ذلك الجيل الذي ولد في القرن العشرين، لم يكن فيه أحد من قادة الحرب العالمية الثانية، وإن كان فيه بعض ضباطها الذين شهدوا من مواقع محدودة عدداً من معاركها.
كان «جون كينيدي» ممثل هذا الجيل، ومع «كينيدي» دخل إلي البيت الأبيض عنصر جديد يدرك أن الحرب أخطر من أن تترك للعسكريين (تعبير رئيس وزراء فرنسا العتيد «كليمنسو»)، ثم إنه كان يدرك أن الحرب ليست صدام الجيوش بالدبابات والطائرات، ولا حتي بالضغط علي أزرار إطلاق الصواريخ الحاملة للرؤوس النووية.
وكان هذا الجيل قد ناقش إمكانية الحرب النووية، ووجدها مستحيلة تحت كل الظروف.
وقد راودته في بعض اللحظات فكرة ضربة أولي مميتة، لكنه وجد أن وسائل الإخفاء والمفاجأة (مثل الصواريخ المحملة علي الغواصات المتحركة في أعماق المحيطات والبحار) ـ تسمح للطرف الذي يتلقي الضربة الأولي بأن يوجِّه ضربة ثانية يكون لها نفس تأثير الضربة الأولي المميتة، وهكذا فإن الحرب النووية ـ بضربة أولي أو بضربة ثانية ـ سوف تكون انتحاراً علي مستوي أمم عظمي وشعوب سابقة في الحضارة.
وبدأت مصانع التفكير تعمل (وللتفكير هناك مصانع كبري علي شكل مؤسسات للبحث والدرس)، وظهرت ملامح تصورات جديدة معقدة بعض الشيء، لكنها تبدو قادرة.
كانت الملامح الجديدة علي النحو التالي:
1 ـ إن القوة النووية للاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة متعادلة، وليس يهم أن تكون لأيهما ميزة التفوق العددي، إذا كان ما لدي أي منهما قادراً علي توجيه ضربة مميتة إلي الآخر.
لكن الموارد الاقتصادية للاثنين ليست متعادلة لأن الولايات المتحدة أغني، والاتحاد السوفيتي أقل غني، بل إن موارده الحالية لا تكاد تزيد كثيراً عن نصف موارد الولايات المتحدة.
2 ـ إن الاتحاد السوفيتي يقسم موارده علي بندين رئيسيين، وبند ثالث محدود:
أ ـ التنمية الاقتصادية للوفاء بحاجات شعبه، خصوصاً في مجتمع ينادي بالمساواة ويطمح إلي رفاهية الكل.
ب ـ التسليح النووي والتقليدي لكي يستطيع الوقوف أمام الولايات المتحدة.
جـ ـ مساعدة الدول النامية التي تحاول تغيير قواعد النظام الدولي لأنها تبحث لنفسها عن دور فيه.
3 ـ وإذا استطاعت الولايات المتحدة أن ترغم الاتحاد السوفيتي علي تغيير أولوياته بحيث تزيد اعتمادات التسليح عن اعتمادات شعبه، فإنه سوف يكون مضطراً، نتيجة لذلك، إلي أن يسحب الزيادة من البندين «أ» و«ب» (أي من التنمية الداخلية ومن المساعدات الخارجية).
4 ـ إذا تحقق ذلك، فإن الاتحاد السوفيتي لن يصبح ذلك النموذج، الذي تتطلع إليه دول العالم الثالث الجديدة، ثم إنه لن يكون في وضع يسمح له بمساعدتها.
وهكذا فإنه إذا كان التوازن النووي لا يسمح للولايات المتحدة بفرصة، فإن التفوق الاقتصادي الأمريكي قد يعوض، إذ يسمح لها بالتفوق عن طريق إرغام الاتحاد السوفيتي علي تغيير أولوياته.
وطبقاً لهذه السياسة، كان أول ما أعلنه «كينيدي» بعد دخوله إلي البيت الأبيض أنه اكتشف ـ أو ادعي أنه اكتشف ـ أن هناك فجوة في موازين القوي النووية لصالح الاتحاد السوفيتي، وأن «أيزنهاور» ومساعديه أخطأوا في فهم وتقدير حالة التوازن بين الاثنين.
وكذلك بدأ جَرْ الاتحاد السوفيتي جراً إلي سباق سلاح لم يكن يريده، ولم يكن يستطيع في نفس الوقت أن يتخلف فيه.
ولم يكن الهدف الأساسي من السباق ـ لكي لا ننسي ـ تحقيق تفوق أمريكي مطلق، وإنما الهدف الأساسي كان إرغام الاتحاد السوفيتي علي تغيير أولوياته.
إن سباق التسلح ـ من وجهة نظر السياسة الأمريكية ـ لم يكن مجرد لعبة قمار أحمق، ولكنه كان ينطوي علي عوامل أخري يمكن فهمها.
إلي جانب هذا الرهان، كان هناك:
* خوف الولايات المتحدة الحقيقي من طفرة مفاجئة يحصل عليها الاتحاد السوفيتي باكتشاف علمي جديد أو بخطة دقيقة في تكنولوجيا السلاح.
* حرص الولايات المتحدة علي تطوير قاعدتها الصناعية، بالانتقال من عصر الحديد والصلب إلي عصر الذرة والليزر، ومن عصر المناجم وآبار البترول إلي عصر الفضاء والكواكب (أي أن تقوم أبحاث السلاح بدور تسريع تقدم الصناعة).
* تمكين الولايات المتحدة ـ في أسرع وقت وبأقل مخاطر مباشرة ـ من تأكيد السيادة لعقائدها الاجتماعية، وقدرتها علي مساعدة أصدقائها، وحماية مصالحها في كل القارات والمحيطات.
إن الضغط علي أولويات الاتحاد السوفيتي وجرِّه ـ أراد أو لم يرد ـ إلي سباق سلاح باهظ التكاليف، كان في تلك الفترة من أوائل الستينيات محكوماً بعدة عوامل:
أولها: إن الاتحاد السوفيتي ـ بحقائق الجغرافيا ـ دولة برية في آسيا وأوروبا، ولهذا يحتفظ بقوات تقليدية ضخمة في أوروبا الغربية، وكانت هذه القوات التابعة لحلف وارسو أكبر عدداً وعُدَّة من القوات المقابلة لها تحت حلف الأطلنطي.
وثانيها: إن جيلا من الساسة الأوروبيين ممن عاشوا تجربة الحرب العالمية الثانية ـ كانوا هناك علي القمة في أوروبا الغربية، ولقد كان رأيهم ـ وبالذات الرئيس الفرنسي «شارل ديجول» ـ أن الولايات المتحدة تلعب لعبة قمار غير مأمونة، وهي في كل الأحوال خطرة علي أمن أوروبا، إلي جانب أن الاندفاع إلي تكديس السلاح والاستمرار في جهود تطويره ـ قد يخلق ضغوطاً تؤدي في لحظة من اللحظات ـ بحمي القطار، أو بحماقة القوة، أو بخطأ في الحساب ـ إلي استعماله، وتقدم «ويلي برانت» ـ الذي كان يزحف إلي القمة سريعاً في ألمانيا الغربية ـ ليمشي خطوة علي الطريق أبعد من «ديجول»، بادئا سياسة التقارب مع الشرق، وكانت سياسته «نحو الشرق» هي التمهيد فيما بعد لسياسة الوفاق.
وثالثها: إن السلطة في الولايات المتحدة ـ حتي ذلك الوقت ـ كانت في يد ما يُعرف بـ«المؤسسة الشرقية»، وهي مجموعة المصالح المالية والاقتصادية المسيطرة علي الولايات الواقعة في شرق الولايات المتحدة، وهو الشاطئ الأمريكي المطل علي الأطلنطي، والأكثر إحساساً وحساسية من غيره في الولايات المتحدة، بما يجري وبما يؤثر علي أوروبا الغربية، وكانت هذه «المؤسسة الشرقية» هي التي أعطت للولايات المتحدة ـ منذ إنشائها وإلي الستينيات ـ كل رؤسائها الكبار، من «واشنطن» إلي «لنكولن»، ومن «روزفلت» إلي «كينيدي»، أي أن هذه المؤسسة كانت بتربيتها وثقافتها قادرة علي فهم أوروبا ومخاوفها، وقادرة أيضاً علي فهم حقائق الموازين الدولية، ومع رغبتها الشديدة في إرغام الاتحاد السوفيتي علي تغيير أولوياته، والتضييق عليه، وعلي معسكره، وعلي أصدقائه ـ فإنها كانت تفعل ذلك بطريقة مرنة ومحسوبة.
وفي هذا المناخ المواتي، تبدت أسباب الوفاق في النظام الدولي، وكانت ترتكز علي تنافس القوتين الأعظم، بحكم اختلاف العقائد والمصالح، واضطرارهما إلي التعاون، بحكم المخاطر غير المقبولة وغير المحتملة لعواقب أي صدام مسلح بينهما.
ولدواع كثيرة اقتصادية واجتماعية ـ بالدرجة الأولي ـ انتقل مركز الثقل من شرق الولايات المتحدة المطل علي الأطلنطي (وفيه واشنطن ونيويورك) ـ إلي غرب الولايات المتحدة المطل علي المحيط الهادي (وفيه سان فرانسيسكو ولوس أنجلوس).
وكان الغرب الأمريكي هو موطن الصناعات الجديدة، وهي صناعات المستقبل في الولايات المتحدة، الفضاء والصواريخ والطائرات والإلكترونيات إلي آخره.
وكانت المؤسسة الأمريكية الجديدة أقل إحساساً وحساسية من المؤسسة التقليدية (الشرقية).
وبرز عداء المؤسسة الجديدة عقائديا للاتحاد السوفيتي، وعليه مسحة صليبية، وبدا الوفاق أمامها نوعاً من الهرطقة السياسية، والأفضل والأسلم منه أن يتواصل سباق السلاح، وكان ذلك بالنسبة إلي هذه المؤسسة الصاعدة مصالح إلي جانب كونه عقيدة.
إن هذه المؤسسة (الغربية) وصلت إلي البيت الأبيض عن طريق «لندون جونسون» من كاليفورنيا في الغرب ـ ثم «جيمي كارتر» من جورجيا في الجنوب ـ وأخيراً استقر «رونالد ريجان» (من كاليفورنيا في البيت الأبيض، ممثلاً حقيقياً وسافراً لهذه المؤسسة العقائدية).
بدأت الأمور تأخذ منعرجاً خطيراً مع رئاسة «جونسون»، ثم راحت تتفاقم يوماً بعد يوم.
كان سباق التسلح (إلي جانب تكاليف حرب فيتنام) عبئاً ضخماً، ولم تكن الولايات المتحدة علي استعداد لأن تتحمله وحدها، ولم يكن حلفاؤها في أوروبا علي استعداد للمشاركة فيه طواعية ورضاً، وراحت الولايات المتحدة تقترض ـ ومن في الدنيا لا يقرض الولايات المتحدة؟ (وصل حجم الـ«يورو دولار» الآن إلي تريليون دولار، وهو في واقع الأمر مبلغ ضخم أخذته الولايات المتحدة من العالم، وقدمت بدلاً منه أوراق نقد تملأ أسواقه، كان هذا الاقتراض الإجباري من العالم هو أكبر المخاطر علي النظام الاقتصادي الدولي ـ في رأي عدد من ساسة أوروبا المخضرمين).
وطلبت أمريكا إلي حلفائها أن يصرفوا أكثر علي السلاح، وكان ضغطها شديداً بالذات علي ألمانيا الغربية واليابان، واستسلمت ألمانيا الغربية للضغط الأمريكي، فزادت ميزانيتها العسكرية، لكنها في نفس الوقت راحت تمد جسورها مع الاتحاد السوفيتي، تحاول استعادة روح الوفاق من جديد، وكان «هيلموت شميت» ممثل هذه السياسة.. زيادة ميزانيات التسليح، نعم، ولكن في نفس الوقت مد جسور الوفاق.
وماطلت اليابان متعللة بدستورها، الذي وضعه الاحتلال الأمريكي نيابة عنها، وكانت الولايات المتحدة عنيفة في ضغطها علي اليابان، وحجتها أن اليابان ـ بلاد الشمس المشرقة ـ لا تستطيع الاعتماد إلي الأبد علي القوة العسكرية الأمريكية، تحمي لحسابها طرق مواصلاتها البحرية، وهي شريانها الوحيد للحياة، فمنه تجيء بالمواد الخام، وعليه يُعاد تصدير هذه المواد مصنَّعة إلي أسواق العالم. أكثر من ذلك فإن الولايات المتحدة بدأت تحس أن أوروبا الغربية واليابان تقيم معجزاتها الاقتصادية في حماية القوة الأمريكية، ليس هذا فقط، بل إنها أصبحت منافسا اقتصادياً خطيراً للولايات المتحدة.
وهكذا جاء رفع أسعار البترول.
وعندما انعقد في باريس سنة 1974 (مؤتمر بحث «تدوير فوائض البترول»)، لم يتورع «هنري كيسنجر» ـ وزير خارجية الولايات المتحدة في ذلك الوقت ـ أن يقول لزملائه من وزراء خارجية أوروبا:
«اليوم فقط انتهي مشروع «مارشال» الأمريكي لمساعدة أوروبا، لقد كنتم تأخذون بترولاً رخيصاً كان هو عماد معجزتكم الاقتصادية، والآن جاء وقت سداد الفواتير».
وبرفع أسعار البترول عدة مرات في منتصف السبعينيات، انقلب النظام الاقتصادي والمالي في العالم رأساً علي عقب.
كانت فوائض أموال البترول كلها تجد طريقها إلي الولايات المتحدة الأمريكية (ودائع إجبارية).
وكان ما يصرفه المنتجون منها يذهب معظمه إلي شراء بضائع أمريكية (سلع استهلاكية وأسلحة).
في منطقتنا.. القوة الأمريكية طليقة.. والقوة السوفيتية مقيدة وكفة التوازن قد مالت وهو ما يعطي إسرائيل حرية حركة بلا حدود
24/1/2008
ثم جاءت خطوة رفع الفوائد المصرفية لتحكم الطوق والحصار.
وصل سعر الفائدة علي الدولار في بعض الأوقات إلي أكثر من عشرين في المائة، وبهذا المستوي فإن نقد العالم السائل كله بدأ يتجه إلي الدولار دون حاجة إلي جهود ومخاطر الاستثمار.
كانت الولايات المتحدة تملي أولوياتها علي الجميع:
* كانت تستدين من الآخرين - بصرف النظر عن رضاهم، وبواسطة الـ «يورو دولار» - بما وصل حجمه إلي تريليون دولار، وأدي ذلك - ضمن ما أدي - إلي تضخم رهيب!
* وكانت فوائض أموال البترول - سواء ما يخص أمريكا نفسها وما يخص العرب - رصيدًا مضافًا إلي ما عندها.
* ثم إن رفع سعر الفائدة علي الدولار جعل نقد العالم السائل كله يتدفق علي الولايات المتحدة، دون مراجعة أو تحفظ!
* وبالارتفاع الجنوني في أسعار الفائدة، فإن إمكانيات الاستثمار في المجالات الطبيعية والعادية للتنمية أصبحت مشلولة، وساد كساد أضيف به هَمّ البطالة إلي هَمّ التضخم، ولم تقتصر الهموم علي أوروبا فقط، وإنما وصلت بعض آثاره إلي شطآن الولايات المتحدة نفسها.
والمهم في ذلك كله - من وجهة نظر هذا الحديث - أن الولايات المتحدة أصبحت في وضع يسمح لها، ليس فقط بتسخين حركة سباق السلاح، ولكن بدفعه إلي درجة الغليان.
أتذكر - يا سيادة الرئيس - واحدًا من أبرز ساسة أوروبا الغربية - وأغفل عمدًا ذكر اسمه، حتي لا أتسبب في إحراج له، إذا أنا نشرت علي لسانه دون استئذانه - قال أثناء حوار طويل بيننا، بلهجة فيها من الأسي أكثر من الغضب:
«كنا في أوروبا قد تنفسنا الصعداء عندما وقّعَت الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفيتي (نيكسون وبريچنيف) معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيچية، تصوَّرنا أن هذا الشد والجذب الذي يكاد يصل بنا إلي حافة الجحيم، سوف يهدأ ويمنح أعصابنا إجازة تستريح!
لكن الخطوات الأولي تعثرت، وكان ذلك في الواقع رجوعًا إلي الوراء.
فقد تأكد أن الولايات المتحدة مازالت مصممة علي إرغام الاتحاد السوفيتي علي تغيير أولوياته، وجرّه رغم أنفه إلي سباق للتسلح يقتص بطريقة خرافية من اعتمادات التنمية والرفاهية، حتي يثور الشعب السوفيتي، وتثور شعوب الكتلة السوفيتية، وليكن أن أصدقاءنا في واشنطن مقتنعون بهذه السياسة، التي تحقق بالموارد الاقتصادية ما لم تعد تستطيع تحقيقه مخزونات الأسلحة النووية، ليكن، أليس من حقنا أن نسألهم:
* متي تثور شعوب الاتحاد السوفيتي وشعوب الكتلة الشرقية؟ متي، والنظم هناك عنيفة وقادرة؟
* ماذا سيحدث لنا نحن خلال هذا كله، إذا أصاب الضرر أوروبا الغربية قبل الكتلة السوفيتية؟ يكفي أي إنسان أن يلقي الآن نظرة علي مشكلة البطالة عندنا، المتوسط العام في أوروبا الغربية كلها حوالي 12 في المائة - وما هو الحل؟
* ثم أي ثمن سوف تدفعه الولايات المتحدة نفسها في النهاية، إنهم هناك أغنياء، لكنهم سوف يواجهون الإفلاس أيضًا، وربما ذهب الاتحاد السوفيتي قبلهم، ولكن ماذا يفيدهم إذا كانوا أول أو آخر من يصل إلي الكارثة؟، كلنا سوف نصل إلي الكارثة. من دواعي الأسف أن غِناهم يصوِّر لهم أنهم قادرون علي تفادي الكارثة في الساعة الأخيرة، لكني أشك في ذلك.
* ثم إني أريد أن أسألهم: كيف يكون تصرف القادة السوفييت عندما يرون أن الخطر محدق بهم؟ ومن يضمن لنا أنهم في تلك اللحظة الحاسمة لن يقْدِموا علي المحظور، وليكن ما يكون؟
كانت تلك وساوس واحد من أبرز ساسة أوروبا، ولا أظنه الوحيد بينهم.
وربما زعمت - يا سيادة الرئيس - أن الولايات المتحدة لم تكن بعيدة عن المناورات التي أدت إلي سقوط حكومة «هيلموت شميت» في ألمانيا الغربية، لأن «شميت» كان واحدا من الذين ضاق صبرهم بالسياسات الأمريكية، ولعل يأسه من قدرته وقدرة غيره علي التأثير في هذه السياسات كان - فوق ذلك - واحدًا من أهم دوافعه إلي اعتزال الحياة العامة في ألمانيا الغربية، وإصراره علي الابتعاد كلية!
ولقد كان الاتفاق علي مد أنابيب خطوط الغاز الطبيعي من سيبيريا - في الاتحاد السوفيتي - إلي أوروبا الغربية، هو القشة التي قصمت ظهر البعير.
عارضت أمريكا هذه الصفقة، وفرضت عقوبات علي أطرافها من حلفائها الأقربين.
كان رأيها أن مبيعات الغاز الطبيعي لأوروبا سوف توفر للاتحاد السوفيتي سنويا عشرة بلايين من الدولارات، وهذا من شأنه أن يفتح ثغرة في الطوق، الذي يضيق يومًا بعد يوم.
ثم إن هذا الخط يجعل أوروبا الغربية - بمصالحها - وثيقة الصلة مع الاتحاد السوفيتي، وهذا من شأنه أن ينعكس علي سياسات الأمن، بما يؤدي إلي إعادة النظر في ميزانيات التسليح الأوروبية.
وحين شكا حلفاء أمريكا من ضيقهم بحظر تفرضه عليهم أمريكا، لاشتراكهم - وفق اتفاق تجاري - في تقديم بعض المعدات لخط أنابيب سيبيريا - في حين تقوم هي في نفس الوقت ببيع القمح للسوفييت - كان رد الرئيس «ريجان»:
«نعم، ولكننا بمبيعات القمح لهم نستنزف منهم أموالاً ولا نعطيهم أموالاً، ثم إننا نُظهر أمام جماهيرهم عجز أنظمتهم عن توفير الطعام لهم، ما نفعله نحن داخل نطاق خطتنا، وما يفعله أصدقاؤنا في أوروبا خارج نطاق الخطة»!
ولقد اضطر «ريجان» أخيرًا إلي تراجع تكتيكي برفع الحظر عن الشركات الأوروبية المتعاونة في خط أنابيب غاز سيبيريا.
لكنه تراجع تكتيكي، أما الاستراتيچية التي أملته فهي مازالت هناك!
* * *
سيادة الرئيس..
بصرف النظر عن الخطة الأمريكية، والأسباب والقوي التي فرضتها، والعواقب والآثار التي انتهت إليها، فإن أي مراقب محايد لا يسعه إلا أن يوافق علي أن «الخطة الأمريكية» حققت قدرًا لا بأس به من النجاح، تكاليفه غالية، ومخاطره قاتلة، فضلاً عن أن النتائج علي المدي البعيد غير مؤكدة - لكن الواقع الراهن - كما هو هذه الساعة - يشير بوضوح إلي أن الاتحاد السوفيتي يواجه أزمة كبري.
إن الاتحاد السوفيتي بلد ضخم بموارده المحتملة، كما أن كفاءته في التخطيط لتنمية هذه الموارد يمكن أن تزيد - لكنه يتعرض في تجربته لعملية نزيف مستمر:
1- كان عصر «ستالين» هو عصر بناء الصناعات الثقيلة في الاتحاد السوفيتي، وكانت هذه الصناعات قاعدة راسخة للتقدم، ومع أن التضحيات الإنسانية التي دفعت فيها كانت مروعة، إلا أن القاعدة جري بناؤها بنجاح، ثم جاءت الحرب العالمية الثانية وأصاب هذه القاعدة دم
